بينما أهرب|| Intro
CH1||مرأة مُلفِتة ورَجُلٌ عابِر
CH2|| خلق الأقدار الجميلة
CH3||الرجل الذي لا يخاف
CH4||الكتوم والآنسة الباكيّة
CH5||فضول إعجاب أم حُب
CH6||الكُره وأشياء أُخر
CH7||وجعٌ أُغنّيه
CH8||حُب العندليب
CH9||كيوبد مُتهوِّر
CH10||ملاكه الحارس
CH11||حُب الشلَّال
CH9||كيوبد مُتهوِّر
ويفان (العندليب)

بطل:

العندليب والبرّيّة|| Orpheus

"كيوبد مُتهوِّر"

...

لم أدري كيف تملَّكتني الشجاعة لأفعل كل ما فعلتُه، أدري أنَّها خطوة خَطِرة قد تُسهِّل على جاكسون طريقه بالبحثِ عني؛ لكن لذَّةِ الإنتقام مُستساغة بفمي، كما لو أنَّني أفعل شيئًا مُمتِعًا؛ رُغم أنَّني أدري أنَّ نهايته قد تكون علي وَعِرة.

رغبتي بأخذِ حق ويفان قد سلبتني رُشدي، وجدتَني لا أستطيع فعل شيء سوى حماية حُبّي، أنا أُحِبُّه ولا أرى مانعًا في ذلك.

ربما يكون هو المانع، أدري لو أنَّني أفشيتُ له بحقيقة مشاعري قد يطرُدني، ينفُر مني، أو يُبعدني عنه، لكنَّني سأُبقي على سِرّي الصغير بعيدًا عن مُتناوله، وسأُحِبُه كما يتطلَّب منّي الواقع، وليس شعوري المُنفَصِل عن الواقع.

طلب مني لوهان أن يتحدَّث معي قليلًا قبل أن تُقلِع الطائرة، فسلَكتُ معه الطريق وحدنا.

"آنستي، ما فعلتِه لم يَكُ صائبًا ألبتّة، تعلمين لو نقص قِرشًا واحدًا من حِساباتك البنكيّة سيعلمون في المدينة على الفور، وسيأتون لأجلكِ"

تنهدتُ وأنا أُدرِك خطورة وعودي.

"أعلم يا لوهان؛ لكن إلى متى سأبقى مُختبِئة وخائفة من سخط جاكسون علي؟!
كما أنَّ الناس يتعذَّبون هُنا بالفعل، وما عدتُ أستطيع أن أتفرَّج فقط، وأنا أُكبِّل يدي عن إعانتهم."

أومئ لوهان مُتفهِّمًا واتبع.

"أتفهم ذلك يا آنستي، لكن ما زال... أنا لا أستطيع أن أُنفِّذ أي من أوامركِ الآن حِفاظًا عليكِ"

توقفتُ في مكاني وإلتفتُ إليه.

"ماذا عن وعودي؟!
أنت ستجعلني أبدو كإمرأة مجنونة ومُتسرِّعة أغمت حقيقة إصابة الرَّجُل الذي تُحبه على وعيها!"

تبسَّم لوهان في وجهي وكأنَّهُ يسخر مني.

"أنتِ كذلك يا آنستي"

تفجَّرت حروف اسمه من فمي بغيظ، فوجدتُه يُربِّت على كتفي ويُتبِع.

"لوهان!"

"لن أحضر أيُّ بنادق فأنتِ لن تدخُلي أي حرب، ولن أشتري أيُّ أراضي باسمِ الرَّجُل البربري حتى يَصح وأراه شخصيًا، سأكتفي بإحضار المؤن فقط للريفين، وعليهم أن يتدبَّروا أمورهم لوحدهم، أنتِ لن تبقي هُنا لأجلهم للأبد!"

ضربتُه بقبضتي على كتفه، لقد تفشّى بي الغضب والحرج، إنَّهُ يضعني في موقف مُحرِج بالفعل مع الناس جميعًا.

"أنت! أنا سيدتُك لستَ أنتَ سيّدي، افعل ما أطلب منك فعله فقط، واحتفظ بمواعضك لنفسك!"

تبسَّم إبتسامته، التي تستفِزَّني، ونبس.

"آسف، يُمكنكِ أن تطرُديني حينما تعودي إلى سُلطتك"

"لن أعود!"

بغضب صرَّحت، لا يُمكنني تَخيُّل حياتي بعد ويفان، ستكون كئيبة جدًا، لن أتحملَها.

"إذًا سأبقى أنا صاحب السُّلطة يا آنستي!"

جمعتُ قبضتي بغضب، وكدتُ أصرخ في وجهه، لكنَّهُ هرب من أمامي ضاحكًا، فصرختُ في غيظ.

"أتستمتع بإغاظتي أيُّها الوغد؟!"

قهقه وصعد الطائرة دون أن يهتم لما فعله بي هذا السافل.

غادرت الطائرة مُذُّ وقت، وأنا عدتُ إلى المنزل مُتنهِّدة بيأس وكتفاي مُترهِلان، لِمَ لم أُفكر قبل أن أمنح تلك الوعود؟!

إنَّني غبيّة حقًا...

جلستُ قُربَ ويفان، ما زال غافيًّا لا يشعر بأي شيء حوله، تنهدتُ في كظم، أتمنى أن يكون بخير، ويصحى ويعود كما كان وأفضل، مُستعِدَّة أن أتحمَّل بروده وتجاهله لي للأبد، المهم أن يَصِح.

تفقدتُ درجة حرارتِه، إنَّها جيّدة، رفعتُ الغِطاء عليه أغطيه بِحِرص، ثم تمددتُ بجواره على الأرضيّة الباردة، يدي كانت مشغول بتمشيط شعره، وعيناي كانتا مشغولتنا بالنظرِ إلى وجهه.

أنا معي حق ولم أُخطئ في الوقوع بِحُبه، التي ترى هذا الوجه الحَسن ولا تقع له ليست مُختلَّة ولا مجنونة، بل شاذَّة حتمًا هي شاذَّة.

أتخيَّل لو أنَّني شاذَّة وأرى وجهه سأستقيم فورًا بلا شك، إنَّهُ وسيم بشكلٍ مُفرط.

مسحتُ بِقِفا أصابعي على وجهِه أتحسَّسه، لن تكون لي فُرصة أُخرى بعد الآن، لن أتمكَّن من لمسِه بِحُريّة وإرضاء مشاعري المُهتاجة وهو مستيقظ، سينفُرني بعيدًا عنه بِكُل تأكيد؛ لذا حِرصًا على نفسي من تهوّري ومن سخطه سأُصيب نفسي بالتُّخمة منه، واستمر في فترة ركود حينما يستيقظ.

أشك في ذلك...

تحسستُ قسمات وجهه بأطراف أصابعي، وقبَّلتُها بعيني، ليتني أستطيع تقبيلها بِشفتيّ... ذلك يبدو مُستحيلًا الآن.

قرَّبتُ رأسي من رأسه أضعه على طرفِ وِسادته، التي يسود عليها، وهمست فيما لا أكُف عن تحسُّسه.

"سأحرِص ألا تتعرَّض للأذى ثانيةً، لن أسمح لأحد أن يؤذيك مُجدَّدًا، الذي يفعل منهم سأقتُله.

دائمًا تقول لي أنَّهُ يتوجَّب علي أن أكون برّيّة هنا، لا تعلم أنَّني بربريّة إن تعلَّق الأمر بك، حتى أنا لم أكُ أعلم أنني ما زِلتُ قويّة.

الحُب حقًا يُحدِث المُعجِزات، يُغيّر النفوس والناس، يُعذِّب عذابًا مُمتعًا، ويمنح مُتعة مؤذيّة"

تجرَّأتُ أن أُمسِك بيده وأقول.

"مُذُّ اليوم نحن لسنا البَربري والعروس الهاربة، نحنُ العندليب والبرّيّة... سأحرِص أن نكون هكذا"

طبعتُ قُبلة على يده، ثم رغبتُ بالنهوض، لكنَّني تفاجئتُ بيدِه تتمسَّك بي. شهقتُ مُتفاجئة وجثوتُ عنده سريعًا، أمسكتُ بيديه وقلتُ في طَوق.

"ويفان هل تسمعني، ويفان؟!"

"آه!"

سمعتُها تخرُج من بين شفتيه وقسماتِه تمخَّضت بالألم، وعيناي تمخَّضت بالدموع، ذلك يُفسِّر الثقل المُفاجئ، الذي شعرتُ به، وإبصاري له بطريقة مشوشة.

تمسَّكتُ بيدِه وهمستُ في قلق.

"ويفان، هل أنتَ بخير؟! تتألَّم؟!"

ترقبتُ أن يفتح عينيه بشوق، لم أشعر بمثلِ هذه اللهفة طيلة حياتي، رويدًا رويدًا رأيتهُ يفتح عينيه، ويراني من خلفِ أهدابه المُتخمة بالألم والإرهاق.

سمعته يهمس شيئًا لكنَّني لم أفهمه، فأخفضتُ رأسي إليه، وسددتُ أُذني قُرب ثغره، ثم بوضوح سمعته يهمس بضعف.

"لِمَ أنقذتِني؟ لم أكُ أُريد أن أعيش"

رفعت نفسي لأنظر إليه، ولكنني تفاجئت برؤية دموع تخُط وجهه المريض ببؤس، إعتكفت ملامحي في عُجمة وأستياء في ذات الآن.

"كيف تلومني على إنقاذك؟! هل كنتَ ترغب أن أراكَ تموت ولا افعل شيء؟!"

زفر أنفاسه بصعوبة، ثم رأيته يزدرئ جوفه الجاف بالفعل، ثم همس.

"من أنتِ لِتُقرِّري حياتي من موتي؟!"

أبعد يدي عنه وهمس.

"اُغرُبي عن وجهي!"

لم أشعر سوى ودموعي تنزل، لم أتوقع أن يفعل معي شيئًا كهذا، ما الخطأ الذي إرتكبتُه ليغضب مني؟!

مسحتُ دموعي ونبستُ قبل أن أبتعد عن مرآه.

"لم أتوقَّع منك أن تشكرني لأني أنقذتُك، لكنَّني لم أتوقَّع منك أن توبخني كذلك، أنتَ رَجُلٌ غريب ليس بوِسعي فهمكَ إطلاقًا!"

نهضت وجلبتُ كُرسي خشبي من كراسيه، التي أصابتها الشيخوخة، وجلستُ في ظهره أضع القدم فوق الأُخرى بعِناد، لن أتركه وحده أبدًا.

هو أيضًا قرَّر حياتي من موتي حينما أنقذني من الخنزير البرّي، وآتى بي من الغابة إلى هنا، وحماني من البرّيّة والبرابرة؛ هل قُلت له من أنتَ لِتُقرِّر أن تنقذني في كل مرَّة؟!
إذًا هذهِ بِتلك، فليعتبرها سداد الدين رغم أنَّها ليست كذلك.

لن أسمح له أن يسلب مني الحق في رعايته وحمايته، هو لا يحق له أن يموت لأنَّهُ يرغب بذلك، الحياة ثمينة، وإن كان يراها رخيصة سأحرص أن يراها بعيني.

بقيتُ أجلس في مكاني خلفه، وهو عاد للنوم مُجدَّدًا. وأثناء رعايتي له أتت الجدَّة وونغ لِتطمئن عليه، ورأتني غاضبة فاقتربت وجلست بجواري بعدما أتيتُ لها بكُرسي آخر.

"ما بالكِ غاضبة يا ابنتي؟! هل حدث شيء؟!"

كنتُ أؤرجح ساقي بغيظ فيما اتكتَّف وأشرتُ إلى ويفان يعيني أُبرِّر للجدَّة.

"لقد إستفاق قبل قليل، ووبخني لأنَّني أنقذتُه بدلًا من أن يشكر الرَّب، لأنَّهُ منحه عُمرًا جديد، ويسَّرني لإنقاذه، أرغبُ في تهشيم أنفه العالي لولا أنَّهُ مريض... سأحرص أن أهشمه له حينما يستعيد صحته"

كنتُ مُغتاظة منه لدرجة حقًا لا أستوعبها، هذا البائس يجعلني أشعر بالغضب.

نظرتُ إلى الجدة حينما سمعتها تضحك، ولكنني تفاجئت برؤيتها تبكي أيضًا، تضحك وتبكي... سأرى الكثير من العجائب هنا.

وضعت يدها فوق يدي، وأخذت تُربِّت علي فيما تقول.

"لا تغضبي منه يا ابنتي، وبدلًا من ذلك تفهَّميه، لطالما كانت حياته بائسة ومُرَّة، له دوافعه ليرغب بالموت"

نظرتُ إليه في سخط ورددت.

"لا أظُنُّها أمر من حياتي، لكنني ما زلتُ أتمسَّك بها!"

فاتبعت تنفي لي برأسها وهمست بحُزن.

"مهما ظننتِ أنَّكِ لاقيتِ السوء ستجدين أن هناك من يعيش الأسوء!"

ثم تنهدت وهي تنظر إلى ويفان بعينِ أم، لولا أنَّني أعرف أنها ليست أمه لظننتُها كذلك.

"لقد ظننتُ نفسي من كُتِبَ عليها أسوء مصير لفُقداني ابني أمامي، رأيتُ الخنزير البرّيّ ينهش لحمه أمامي، ورُفاته كانت مُجرَّد هيكل عظمي وفُتات لحم.

عشتُ في ضنك لسنين، ولم أستطع تجاوز ابني أبدًا حتى دخل ويفان على حياتي، وقال لي أنَّهُ ابني الجديد، ويُمكنني إستغلاله لتخطّي وجعي على ابني.

لكنَّني عندما علمتُ قِصَّته أدركتُ أن هناك من يعاني أكثر مني، مصائب مُخيفة أكثر من مُصيبتي، لم أرى في حياتي من عانى أكثر منه.

الجميع في الُقرى ينادونه العندليب؛ لأنه مثل هذا الطير تفوح منه رائحة الحزن ووجهه مُشبَّع بالهم رغم أن حُسن صورته وصوته يُبهِج الروح، لا يروِّح عن همِّه سوى لوحدِه وبعيدًا عن الجميع، ربما ليحفظ خصوصيته أو لربما كي لا يرى أحد وجعه رُغم أنَّهُ ظاهر على مُحيّياه."

تمسَّكت الجدَّة بيدي، ومسحت دمعتي، التي لا أدري متى سالت، ثم ربَّتَت علي ومسحت دموعها، ثم همست لي بإبتسامة.

"أعلم أنَّكِ لستِ زوجته، لكنني سأطلب منكِ أن تسمحي له بإستغلالك كما سمح لي بإستغلاله، اجعليه يتخطَّى وجعه، واجعليه يتمسَّك بالحياة. هو ما زال شابًا، ليس عليه أن يقضي عمره بالبكاء على الماضي والتَّحسُّر عليه، ألستُ مُحِقّة؟!"

أومأتُ لها فربَّتت على ظهري وهي تنهض.

"سأُحضِّر له الحساء، وأنتِ اهتمي به!"

أومأتُ لها، ثم هي غادرت... نظرتُ إلى ويفان المعلول.

"يا تُرى ما هو همَّك يا ويفان، مِمَّ تُعاني، ما هو وجعك؟!"

مَرَّ بعض الوقت حتى عادت الجدّة وونغ وهي تحمل معها قدر الحساء، وضعته على الطاولة الصغيرة، ثم قالت قبل أن تُغادر.

"إن واجهتِ مشاكل معه يمكنكِ مُناداتي، سأمُر عليكِ لاحقًا"

غادرت الجدَّة، وتحرَّكت إيف لتسكُب لأجلِه الحساء، ثم ربضت قُربه وهي تتلمَّس حرارته، فسمعته يتنهَّد ثم أبعد يدها عن وجهه.

"ويفان، أنتَ مُستيقظ؟"

فتح عيناه الذابلة ونظر لها، شعرت أنَّ كل تعبها وإرهاقها زال تمامًا؛ هي لم تَنَم مُذُّ ليلتين، ولكنها ما عادت تشعر بالتعب.

تبسَّمت وهمست في نبرة حنونة مُحبَّبة.

"سلامتك من كُلِّ أذى؛ سأُساعدُكَ في الإلتفات؛ كي تتناول الطعام"

إمتدت يدها لِتُمسك بيدِه، لكنَّهُ أبعدها عنه بغضب.

"لا أريد، دعيني وشأني!"

تنهدت.

"أنقذتكَ وانتهى الأمر، هل تُريد أن تموت الآن من الجوع أو بسببِ الإهمال؟!
لا يمكنني تركك حتى لو كنتَ ترفض مني أن أعتني بك!"

رمقها بنظراتِه الباردة، ولكنَّها أثلجت صدرها، فابتسمت إبتسامة واسعة وقالت.

"إذًا كُن مُطيع، دعني أعتني بك ولا تفعل شيئًا آخر رجاءً!"

أمسكت بذراعه ويدها الأخرى إلتفَّت حول كتِفه، تأوَّه وهي تُعينه على الجلوس، ولا يدري كيف انتهى حال رأسه على كتفها.

كان وجهه يفضح وجعه، وأنّاتِه الخافتة توجع صدرها، مسحت بيدِها على وجهه برفق، ثم قالت.

"سأُعطيك الدواء ما إن تأكل!"

قرَّبت الطاولة الصغيرة التي تضع عليها الطعام منهما، ثم شعرت بالإرتباك، إنَّهُ يتألَّم ولا يمكنه أن يستند على الحائط، الذي بالمناسبة بعيد جدًا عنه.

قرَّبت بدنها منه وهمست.

"يمكنك أن تستند علي"

حرَّك رأسه رافضًا، ولكنَّها لم تهتم لرفضه الآن؛ إذ أحاطت كتفيه بذراعها، ثم أسندت رأسه على كتفها.

"كُفَّ عن العِناد!"

رفعت الملعقة إلى فمه، ولأن الجوع أجبره فتح فمه لها، تبسَّمت وهي تُطعِمُه، وكانت تُربِّت عليه كلما تناول من يدِها الطعام.

أبعدت إيف طاولة الطعام، ثم تناولت منديل تمسح به ثغره، شعرت بنبضاتِ قلبها تتسارع، ذلك القلب يتسارع على أي شيء ولو لم يَكُ أمرًا جَلَلًا.

"هل سأبقى طويلًا بالفراش؟"

تنهَّدت، ومسحت على رأسِه تقول.

"للأسفِ إصابة ظهرك حسّاسة بعض الشيء، سيلتزمك الأمر أن تبقى في عنايتي لقرابةِ الشهر"

تنهَّد بإبتئاس.

"هذه فترة طويلة!"

"لا بأس، ستنقضي وتتحسَّن"

ناولتهُ دواءه بعدما تناول الطعام، ثم بقيَ مُتكئً على بدنها، لقد تعب من الإستلقاء على بطنه، كما أنَّهُ لا يستطيع الإتكاء على شيء آخر، كانت أفضل خيار له وهو لم يفكر عميقًا بالأمر، المرض تحكَّم به.

كان رأسه على كتفِها، ووجهه مُندس في عُنقها، وذراعاها تُحيطانه بحِرص، هو مريض بسببِ السهم وهي مريضة به، قلبها لا يهدئ وكأنًّهُ يُقيم حفلًا صاخبًا بالداخل ويرقص مع بقية أعضاءها.

تبسَّمت بهدوء وهي تمسح على شعرِه، ثم ألقت نظرة عليه فوجدته قد غفى بالفعل، عليها أن تكون شاكرة لأنه يقبل مساعدتها على الأقل، لأنَّهُ نجى رغم إنعدام رغبتِه في النجاة.

...

كان جاكسون في قصرِه صباحًا حينما وصله بلاغًا من أحد رِجاله على طاولة الإفطار.

"سيدي!"

أشار له جاكسون بالإقتراب، فأدرك الطاولة وقال.

"بلغنا أن مُساعد الآنسة إيف شياو لوهان قد أخذ طائرة هيلوكوبتر من مُلكيات الآنسة الخاصّة، وأخذ معه طبيب وطاقمه التمريضي وأدوات طبيّة كثيرة"

عرَّج حاجبيه بِعُجمة.

"وأين ذهب بكل ذلك؟!"

"لا نعلم يا سيدي، ماذا نفعل بهذا الأمر؟!"

مسح جاكسون فمه بالمنديل، ثم نهض عن الطاولة فيما يتبعهُ هذا الرَّجُل.

"اعلموا أين ذهب بكل ذلك ولو إستلزمكم الأمر إحضار الطبيب واستجوابه"

إنحنى له الرَّجُل ثم غادر، تبسَّم جاكسون فيما يبسط ذراعيه على الأريكة، يبدو أنَّ القِط أخيرًا ظهر.

...

لقد مضت عِدَّةِ أيام وإيف تعتني بويفان، ولم تمُر عليها ثانية واحدة قط شعرت بها بالإرهاق من رعايته.

في أحد الصباحات؛ كانت إيف تُرتِّب المطبخ بعدما أطعمت ويفان وجبةِ الإفطار، وحينما إلتفتت لتتفقده وجدته يشعل سيجارة في فمه، تركت العمل من يدها وهرعت إليه تسحبها من فمِه.

"لا تُدخِّن وأنتَ مريض بل لا تُدخِّن أبدًا!"

عكف حاجبيه في ضيق ورمقها بغضب، سحب من يدِها عُلبة السجائر ونبس في ضيق.

"لا تحاولي أن تتحكَّمي بي، ابتعدي!"

لم تهتم لما قاله، وسحبت السيجارة من فمِه ما إن دسَّها مُجدَّدًا.

"لا أهتم بما تقوله وما تظنه بي، لكنَّني لن أسمح لك أن تؤذي نفسك من بعد الآن!"

شهقت بقوَّة حينما أمسك بيدِها بقوّة واجتذبها بعُنف لتسقط بجواره، نظرت إليه مشدوهة، فوجدت أن عيناه تشتعل غضبًا.

"من أنتِ كي تسمحي لي أو لا تسمحي؟! أمي، زوجتي، أختي؟ هل تَخُصيني حتى وأنا لا أدري؟ أنتِ مُجرَّد فتاة أسمح لها بالمكوث معي، لذا اعرفي حدودك والزميها وإلا سأكون جارحًا أكثر!"

سحب من يدها عُلبة التَبغ، التي صادرتها منه عن غيرِ وجهِ حق كما يرى، ولإغاظتِها دخَّنها أمامها، لا تنكر إيف أنَّها شعرت بالأستياء من سلوكه معها، ولكنَّها إحتفظت برابطة جأشِها أمامه.

سحبت السيجارة من فمِه بِعِناد وصادرت علبة التبغ، ثم سريعًا نهضت من جانبه قبل أن تصلها يده، وأفرجت عن صرخة ضئيلة.

إبتعدت عنه مسافة أمان فيما تتحسَّس صدرها المُهتاج بِخوف، وهو حاول النهوض لكن لم يستطيع، فلكم الوسادة بقبضتِه عِدَّةِ مرّات وهو يصرخ عليها بغضب.

"كُفّي عن التحكُّم بي!"

لم تشعر بنفسِها إلا وهي تبكي، ليس لأنَّهُ يُعذِّبها بهذا السلوك أبدًا، بل لأنها رأت وجهًا له لم تراهُ مُسبقًا أبدًا، ليس وجهًا عصبيًّا عن فراغ، بل عصبيًّا عن نُدَب.

"لِمَ تُريد أن تموت؟!"

نظر لها بعينيه المُحمرَّة وهو يستنشق أنفاسه غصبًا، لكنَّهُ لم يجبها، وضعت عُلبة التبغ ولفائف السجائر بعيدًا عن متناوله، ثم اقتربت لتجلس بجواره.

أرادت أن تُمسِك بوجنته، لكنَّهُ أبعد وجهه يرفض مواساتها وتربيتاتِها، تنهَّدت إيف وهي تنظر له فيما هو يُشيح عنها ونبست.

"لِمَ لا تُريد أن تعيش؟ اعطني سببًا يستحق ألا تعِش بهناء، أن تغضب مني لأني أنقذتُك، أنتَ لِمَ تكره نفسك؟!"

نظر لها وانسابت من عينِه دمعة واحدة وحيدة شعرت أنَّها من الداخل تكسَّرت، إصابته هذهِ جعلت قلبها يتشبَّث به، ويتجاوز حدوده في الحُب.

"القاتل يُقتَل... أنا كان يجب أن أموت قبل سبع سنين، أيًا كان الذي عِشته خلال السبع سنين كان عذابًا، وأنتِ الآن جعلتِ عذابي أطول، أنا أريد أن أموت لأرتاح، الحياة عذاب وأنا لا أريد أن أبقى مُعذَّب!"

"قاتل؟!"

استنكرت، فأخفض رأسه.

"من قتلت؟!"

أشاح بوجهِه ورفض أن يمنحها الجواب، فتنهَّدت ثم أومأت تقول.

"لا يُمكنني أن أحكم عليك دون سماع قِصَّتك كاملة، سأعتبر نفسي لم أسمع شيء!"

إلتفت لها بسخط وأمسك بعِضدها يَشُد عليها قائلًا.

"قُلتُ لكِ أنَّني أتعذَّب بسببِك، وأنتِ هنا تقولي أنَّكِ لم تسمعي شيئًا؟!"

أفلتت يدها منه بغضب.

"نعم، لم أسمع شيء، لأنَّكَ لا تملك المُبرِّر لتموت، حتى لو رأيتُكَ مُجدَّدًا بهذا الوضع لن أتركك للموت يا ويفان، سأنقذك مُجدَّدًا!"

إرتفع حاجبه بسخط ونبس.

"هكذا إذًا؟!"

أومأت له فَرَد.

"غادري منزلي إذًا، أنا لن أقبل أن يتحكَّم بي أو بمصيري أحد!"

لا تُنكِر أنَّ الرهبة ساورت نفسها حينما نعتَ نفسه بالقاتل، للحظة واحدة فقط شكَّت أنَّهُ لرُبَّما يكون قاتلًا فعلًا، لكن قلبها وعقلها تشبَّثا بالدفاعِ عنه.

هو لا يُدافع عن نفسه بل يُعذِّبها بالفعل ومثل هذه الأمور لا يقوم بها مُجرِم مُعتاد أن يقتُل، لقد تشبَّثت بإحتمال أنَّهُ يبالغ في إتهامِ نفسه عن وجهِ باطل، رُبَّما هو فقط يُحمِّل نفسه ذنبًا لم يقترفه.

لا تعلم؛ ولكنَّها فقط أرادت أن تلتمس له العُذر حتى تسمع قِصَّتِه بالتفصيل. ولكن حينما طردها تشتَّت هذهِ الأفكار، وقرَّرت أن تستمر في مُعاندته والتشاجر معه؛ إذ كتَّفت ذراعيها إلى صدرِها وارتفع حاجبها بضيق.

"لا يُمكنكَ أن تطردني سيد ويفان، أنا زوجتك!"

ضحك في سخط وقال.

"وهل صدَّقتِ ذلك؟! أنتِ لستِ زوجتي، لو تقمَّصتِ بالدور زيادة أُذكِّرُك!"

أومأت تُبرِّم ثغرها.

"حسنًا، فقط أنا وأنت نعلم أنَّنا لسنا متزوجان، وكُل الناس هُنا يعلمان أنَّنا متزوِّجان، ماذا ستقول لهم حينما يسألونكَ عنّي؟! 'طردتُها لأنَّها تهتم بي، ولا تدعني أموت.' يا لهُ من سبب!"

رأت أنَّها تنتصِر في مُصارعة الألسُن هذهِ، لقد جعلتهُ يرتبِك، تركته بعدها وإلتفتت إلى أعمال التنظيف، التي إقتطعتها بسبَبِه.

في المساء؛ تعبَّأ وجهه بالإستغراب حينما أتت بقدرٍ من المياه وبعض المناشف، وضعتهم قُربه، ثم تحرَّكت لإغلاق النافذة وسترِها، كذلك الباب أحكمت إغلاقه، ثم ربضت قُربه، وهو تسآل.

"ماذا ستفعلين؟!"

لم تُجِبه، بل تمسَّكت بإكتافِه حتى أقعدته على الفِراش، ويدها إمتدَّت إلى قميصِه لتنزعه، لكنَّهُ أمسك بيدِها يستوقِفها.

"ماذا ستفعلين؟!"

شزرت إليه ونبست.

"لن أغتصبك، لا تَخَف!"

تنهَّد بأستياء منها، وما كان بِوِسعه سوى أن يرفع ذراعيه حينما أصبح القميص أسفلهما، سحبته من على جسدِها، ثم إلتفتت لِتَقِف خلفِه وقالت.

"سأُغيّر على جُرحكَ أوَّلًا"

"أوَّلًا؟!"

همهمت ونهضت لتحضر الأدوات الطبيّة، أخذت تنزع عن ظهره الضمّاد، وهو ضمَّ ملامحه في ألم وقبضتيه.

حاجباها تلاقا حينما أبصرت جُرحه بأسف، تشعر كما لو أنَّها تتألَّم بدلًا منه، وضعت يدها على كتفِه، وربَّتت عليه برِفق تقول.

"سأكون لطيفة، لن أؤلمك!"

إلتقطت الملقط الطبي، والتقطت به قطعة شاش، غمَّستها بالمُعقِّم الطبي، وبرفق طبطبت بها على جُرحِه، لكنَّها ما إن لمسته تصلَّب ظهرِه، وأفرجت شفتاه عن آه محمومة ومشحونة بالوجع.

وجدت دمعتها تنسكب وحدها وهي تهمس.

"أنا آسفة، تحمَّل قليلًا رجاءً!"

مسحت دمعتِها بكتفها، واستمرَّت بتعقيم جُرحِه حتى إنتهت، ووضعت ضمّادة جديدة عليه، حينما إلتفتت له كان قد تنهَّد بِعُمق وارتخت ملامحه.

لم تستطِع أن تمنع نفسها أبدًا، إذ أمسكت بوجهه بين كفيّها، فنظر لها مُستغرِبًا، ثم حينما إقتربت وطبعت قُبلة على جبهتِه وهو يرى دموعها تنحدر إزداد إستغرابًا.

إزدرئ جوفه ولم يَقُل شيء، لقد أحسَّ بالغرابة، لم يهتم أحد به إطلاقًا مُذُّ زمنٍ طويل، لم يشعر بأنَّهُ ثمين لأحد وغيابه قد يجرح أحدهم، لكنَّها إيف أول من منحتهُ هذا الشعور، الذي حُرِم منه مُذُّ شهور.

مسحت دموعها بذراعها.

"لا يُمكن أن تستحِم أبدًا حتى يتعافى جُرحك، سأحرص أن أمسحه لك وأنضفه جيدًا!"

وضع يده على صدرِه برفض ونبس.

"ماذا؟! ابتعدي عني!"

قهقهت إيف وقالت.

"لقد مسحته لك بالفعل وأنت فاقد وعيك، الآن لا داعي أن تخجل أو تخاف، لن أتحرَّش بك"

"قُلتُ لكِ ابتعدي عنّي!"

تجاهلت كلامه، وغطَّست المنشفة بالمياه الدافئة، ثم عصرتها ونظرت له تضحك.

"لا تتصرَّف كطفل أو فتاة خجولة، أنتَ رَجُل!"

قبل أن يقدر أن يقول أي شيء كانت المنشفة تجول قسماتِ وجهه، كانت تُمسك بذقنه بيد وبالأخرى تُمسك المنشفة الصغيرة وتُمرِّرها على ملامح وجهه.

كانت تنظر إليه وتبتسم وكأنَّها تستمتع في رعايتِه، إزدرئ جوفه وأخفض نظره عنها، لا يُريد أن يشعر بمشاعر لطيفة إتجاهها.

وهي إرتكبت بينما تُنظِّف له عُنقه، المنطقة المُغريّة بالرِّجال أمثاله؛ من خطِّ فكِّه إلى عُنقه، ثم كتفيه، وأخيرًا عظمتي الترقوة.

ترغب في ضرب نفسِها لما يدور في خيالها من أفكار إيروتيكيّة... حسنًا؛ ترغب بتقبيله بِشدَّة، لكن لا... لا يَصِح.

تجاوزت أخيرًا هذهِ المنطقة الخطِرة، ثم أخذت تمسح صدره وبطنه، ما زالت في رهنِ الخطر، لكنَّهُ يُحتمل.

إلتفتت خلفه وتنشَّقت نفسًا عميقًا، كادت أن تفضح نفسها أمامه، مسحت ظهره حيث تستطيع، ثم إلتفتت أمامه تقول.

"انزع بِنطالك"

ضرب رأسها بِخفَّة غاضبًا.

"اغربي عن وجهي!"

فأخذت تضحك وهي ترى وجهه قد أصبح مُحمرًّا جِدًا، ولم تقدر أن تُقاوم مظهره اللطيف؛ إذ قرصت خديَّه ولحَّنت حروفًا غير مفهومة... أضحكته.

"كوتي كوتي كوت!"

.....

يُتبَع...

"كيوبد مُتهوِّر"

العندليب والبرية|| Orpheus

19th/Sep/2021

........................

دمتم سالمين❤
❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤
Love❤


© Mercy Ariana Park,
книга «العندليب والبرّيّة|| The Nightingale and the Wild».
CH10||ملاكه الحارس
Коментарі