بينما أهرب|| Intro
CH1||مرأة مُلفِتة ورَجُلٌ عابِر
CH2|| خلق الأقدار الجميلة
CH3||الرجل الذي لا يخاف
CH4||الكتوم والآنسة الباكيّة
CH5||فضول إعجاب أم حُب
CH6||الكُره وأشياء أُخر
CH7||وجعٌ أُغنّيه
CH8||حُب العندليب
CH9||كيوبد مُتهوِّر
CH10||ملاكه الحارس
CH11||حُب الشلَّال
CH10||ملاكه الحارس
وو ويفان (العندليب)

بطل:

العندليب والبرّيّة|| Orpheus

"ملاكهُ الحارس"

...

الحياة مَعمعَة يعُمَّها الوقتُ الضائع، خلاله ننسى من نحن، نحنُ مُرهَقين من تَكبُّد عناء العيش، ننسى أن نضحك، ننسى أن نبكي، وننسى أن نشعُر ونحلُم، ولا ننسى أن نُكافح في سبيلِ العيش على غصونِ شجرةً يابسة، مثل آخر ورقة صفراء ذابلة تنسى مقصلةِ الخريف أن تقطع عُنقها.

أنا أتعلَّق بِغُصنٍ يابس رغم أن الخريف آتٍ إلي وهو يهزأ من ثباتي، لن أستطيع أن أهزمه حينما يأتي، لكنَّني الآن أتمسَّك باللحظة، التي أعيشها.

كيف يُمكن أن تبتُرني الحياة منه أو تبتُرهُ منّي وأنا إستطعمتُها أخيرًا، لا يُمكنها أن تسرقه منّي مهما كان عتيًّا ومجنونًا، أدركتُ أن هُناك من هو مجنون أكثر مني، ولكنَّهُ لن يكون أجرأ مني.

أعرفُ أنَّهُ عتيًّا يأبى الخضوع لحُكمِ محكمة قلبي الجديدة، سيهرُب من قفصِ الإتهام وسيتهمني بالتهوّر والتحلُّم، لكنَّني مُصرَّة أن أُقاضيه.

إصابتهُ أيقظت قلبي الحائر، ومنحته جوابًا خالصًا عن حقيقة شعوري نحوه... أنا أُحِبُه كما لم أُحِب رَجُلًا أبدًا، هو الأول وسيكون الأخير، لكنني أرجو فقط أن يمنحني مُفتاح إحدى غُرف قلبه لو كان مُتشعِّبًا في حُبِّ غيري، سأرضى بالقليل منه.

لا أنتظر منه أن يُحبَّني، أنتظرُ منهُ أن يقبلني كنزلٍ يتشرَّف أن ينزل به، أُريد أن أكون ضمّادة جروحه والكتف الذي يستند عليه، أريد أن أكون دعامةِ ظهره، وكِنانة بظهرِه توئد بسهامها أيًا من كان يؤذيه أو سيؤذيه، أريد أن أكون ملاكه الحارس.

لذا لن أتفانى برعايته، ولو نفض عني حقي بالإهتمام به سأناوشه، أنا يحق لي أن أرعاه...!

تأملتُ خديَّه، اللذين تشغب بهما الخجل والحرج، رغم أن عيناه تَفُحُّ غيظًا، كذلك نبرته المُستاءة حينما أمرني أن أغرب عنه.

أحببتُ خديَّه كخدي طفل صغير خجول، شعرتُ ببرائته تُدغدغ فؤادي، إنَّهُ من الصِنف البريء الهادئ، بعيد كل البُعد عن آثام الجسد والرغبات، نَقي كصباحٍ صيفي تغزوه نسائم الوهج والرياح، أُحب أنَّهُ شفّاف، ما في قلبِه ينعكسُ على قالبِه.

"كوتي كوتي كوت!"

حينما بَزَغَ شبحُ إبتسامة على شفتيه سقطت بقايا حُصوني المُهدَّمة، وشعرتُ بأنَّ قلبي ينزف؛ لأن إبتسامته تلك لا تنزف، إنَّها واضحة وصريحة، تقول لي أنَّهُ أحبَّ طيشي، لم يبتسم ليُرضيني، لم يبتسم ليُجاملني، أو يُخفِّف عنّي عِبأ حرجي منه، لقد إبتسم لأنَّهُ إبتسم فقط.

لا أدري كيف سيطرت علي رغبة جمَّة في الضحك، ورغبة جمَّة في البكاء، أنت ماذا تفعل بي يا رَجُل ولا كُل الرجال؟!

كيف تجعلني بإبتسامة ضئيلة بالكادِ ولدت وماتت بيدق شطرنج تُحرِّكه كيفما شئت؟! كيف تجعلني خاضعة لشعوري؟!

أنا لا أفهمك ولا أفهمني...!

لم تدري أنَّي أتوسَّم في عينيكِ، وكأنَّي عابد مُخلص في خدمةِ الرَّب وزاهد، وأنتَ فردوسه الموعود، لِمَ تشعرني أنَّكَ فوزي في هذه الحياة؛ جائزتي الكُبرى؟!

لم أدري أنَّني أشتهيكَ كرَجُل، ولأولِ مرَّة في حياتي أشتهي رَجُلًا، يراودني إحساس أنَّكَ لذيذ لدرجةِ أن ريقي أصبح مُنساب في جوفي، كيف يُمكنني أن أنهم منك برضاك وتسمح لي، ولو نهِمتُ منك لا أظنني سأمتلئ، لا يُمكنكَ أن تملأ جوعي، أشعر أن جوعي لك شديد.

أنا سجينة خلف قُضبان جفونكَ القاسيّة، كيف يمكنني الهرب منكَ إليك؟!

الجنَّة خلف أقفاصك تدعوني بلهفة، وأنا مُتلهِّفة أنا أُعبِّد جِنانك بشفتيّ، اجعلني واسمح لي... أكاد من فرطِ رغبتي بك أن أُثقَب.

سترفضني لو تحدَّثت... أعلم!

ستقول أنَّ قلبكَ مشغول بِالحُبِّ أو أنَّهُ أعذر، ولا تود فضَّ بكارته، لكنَّني سأفُضَّك ثم أجعلكَ تفُضَّني، لا تعلم عن أصراري شيء، يُمكنني حفرُ أقفاصك بملعقة إهتمامك، التي لا تُشبعني.

دعني أركض إليك وأزيل وجعك، دعني ألمس روحك وأُضمِّد وجعك، اجعلني مهدًا لأفراحك ولحدًا لأتراحك، اجعلني أخرج أمانيك المستحيلة من مقابرها، اسمح لي أن أحتلَّكَ إحتلالًا يغزوك بِحُجةِ المواساة، ويخفي عنك نواياه في الحُب.

اجعلني أقتل العندليب البائس، التي أنجبتهُ البريّة فيك، واسمح لي أن أكون البرّيّة التي ستلدك عندليبًا لا يعرف أن يُغنّي البؤس أبدًا، دعني أكون بريَّتك وسأحتضنكَ يا عندليب في كنوفي كطائر حُر ينشد الحُب السعيد وينسيكَ الحُب المشؤوم، كُن عندليبي وسأكون برّيّتك.

شردت نفسي وضاعت في متاهات حُبك، وأظهرت بوادر مُبكِّرة لولادتي وولادتك من جديد، ما تقصدتُ أن ألمس وجهك، لكنّي أنقدتُ خلف أسراب الحُب، التي تُهاجر في قلبي إلى عينيك.

وحتى أناملي خرجت عن طوعي ولمستكَ، كانت لمسات لذيذة، أردتُ ألا أُشيعُها لموتها أبدًا، ليت لمساتي عليك لا تموت أبدًا؛ لأنَّني مع كُلِّ لمسة أطبع عليكَ حُبًّا عليه أن يلمس شِغاف قلبك على الأقل لو ما اندس فيه رُغم أنَّهُ يعشعش في قلبي.

"أتعلم لِمَ القلب لا يمرض بالسرطان؟"

ضباب الإستغراب يفوح في أُفقِه، ويُعجِّم عليه حقيقة تطليعاتي إليه.

"لأنَّهُ مُخصَّص لسرطانِ الحُب فقط!"

لم يُساوِرني الخجل رُغم أنَّهُ ساورك حينما أبعدت ترائبك عن طائلة أناملي، وشيعتَ لمساتي لمثواها الأخير، لكن لا بأس؛ لقد غادرت سعيدة رُغم أنَّها لم تشبع منك حُبًا، يكفيّها أنها حطَّت على أرضٍ فردوسيّة.

"أنتَ تَسُر نَظري!"

لم أُبالي في تلك اللحظة لو فهمتَ شعوري أو جهلته، لكنني بِتُّ أعرف ما أُريد... أُريدُك أنتَ بكل ما فيكَ من عِلل ونُدَب، أنتَ رائع، أسوء عيوبكَ في عيني أفضل المحاسن.

أنتَ مُكافئتي في هذهِ الحياة فعلًا.

لم أدري أنني يُمكن أن أخدم إهتمامي بك وأخدمك، بالكادِ طيلة عمري خدمتُ نفسي، أتشوَّق الآن لخدمتك، وفي نفسي رغبة ماجنة أُخبِّئها، أرغبُ أن أخدم رغبات بدنك، التي يجهلها والتي يعرفها.

أتيتُ بكوبٍ وضعتُ به ماء خلطته بغسول الفم كذلك فُرشاة أسنانه والمعجون، وطُشت ضيق.

"افتح فمك"

ما زِلت في لجَّةِ الخجل غارق، لكنني لم أعوم بها أبدًا، بديتُ أجرء منكَ وأقوى، بدوتَ وديعًا خجولًا، أحببتُ وجهك هذا أيضًا رُغم أنَّني آلف برودكَ وإهتمامك الشحيح رُغمَّ أنك تبذل فيه جُهدًا.

أُحبّ أنَّكَ تبذل جهدًا لأجلي...!

"ماذا، لماذا؟!"

تأمَّرتُ عليه وكأنَّني أُقاضيه بِتُهمةِ حُبي واحكم عليه بإهتمامي وكأنّي أُمَّه.

"ماذا لماذا؟!

أتدري أنَّكَ لم تغسل أسنانك مُذُّ أن أُصبت!"

سُرعان ما وضع يده على فمه وصرف وجهه عني، لا يُمكنكَ أن تكون بهذه اللطافة، أنت تخنقني بنوبات حُبي... تقتُلني!

أضحكني سلوكك كما أحببتُه، ولمستُ كتفك بلمساتٍ حانيّة أطوق أن ألُفَّ بدنك بها.

"ليس ما تُفكِّر به، رائحتك جميلة، ولكن أسنانكَ ستنتزع لو ما حافظت عليها، وتعلم لا يوجد طبيب أسنان يُعالجك هُنا!"

نظر إليَّ، وألفتُ الإطمئنان في عينيه، لا يهتم لأمري لكنَّهُ يخشى أن تُخدَش صورته في عيني!

"هيّا!"

بسطتُ القليل من المعجون على الفُرشاة، هنا تعلمتُ التوفير، وبالفعلِ لا حاجة لإسراف معجون الأسنان، القليل جدًا منه يكفي.

مددتُ يدي نحو فمه على أمل أن يفتح غوره الندي لي، لكنَّهُ رفض بحُجَّة الخجل الباذخ في عينيه ونبرة صوته المُرتجفة.

"هاتِ عنكِ، سأفعل ذلك بنفسي!"

مددتُ له الفُرشاة، لا أريد أن يشعر بالضيق وأنا في أُفقِه، سأضغط عليه ولكن بِرِفق، لن يشعر بي وأنا أُنظِّف قلبه من الحُزن، هذه أصعب مُهِمَّة أوكل نفسي بها، ولكنَّها ستكون الأسعد على الإطلاق.

ما إن أولج الفُرشاة فمه وحرَّك يده بغيّةِ تفريش أسنانه تألَّم وأنَّ، أسرعت يدي وبلا شعور أن تستحوِذ على ذراعه، وجعلته يضعها برفق في حُضنه، ثم أمسكتُ بالفُرشاة أنوي تولّي المُهِمَّة عنه.

لاح الرفض في عينيه، يظن نفسه عِبأً علي، وإن الإهتمام، الذي أخصُّه به كردِّ جميل أو واجب لقاء معروفه معي، لكنني أهتم به لأنني أحبه فقط... لا سبب آخر.

"لا بأس عليك!"

حاولتُ أن أمُدَّه بالطمأنينة بأنَّهُ لا يُشكِّل بالنِّسبة لي عِبأ، أكره أنَّهُ أُصيب والآن مريض، ولكنَّني أحببتُ الإهتمام به، وسيبقى الإهتمام به هوايتي المُفضَّلة حتى لو انقطعتُ عنه وما عاد بحاجةٍ إليه.

سأبقى أنا مُحتاجة أن أهتم به...!

بعدما غسلتُ له فمه، طبطبتُ بالمنشفة الصغيرة على فمِه، لم تبرح عيناي موضعها وأسهمتُ بالنظرِ إلى حبيبتيّ العالقتين أسفل جِسر أنفِه العالي.

صحيح أنَّني حواء، ولكنَّني مثل آدم الذي لم يُطِق الجِنان دون حواء، أنا لم أُطِق حياتي المُرقَّعة بجنانِ الأرض دونك.

إكتشفتُ أنَّ جنَّتي لم تَكُ القصور، والسيّارات، والأموال؛ بل إنَّها في بيتٍ من طين، مُسوَّر بالقش، ومفروش بالحصير، وأنتَ فيه.

"إن كنتَ بحاجة لأستخدام دورة المياه سأقودكَ إليه، لوكاس ما عاد متوفِّرًا لمساعدتك."

تمتَّعت عيني حينما زفرت الخجل من ملامحك واستنشقت الغضب وزجرتني، جعلتني ابتسم.

"أنتِ! أين أدبك؟!"

"ما العار في حاجتنا للحِمّام؟!
أنا فقط لا أُريدك أن تتأذَّى بحجةِ الخجل أو الإحراج، ليس عليكَ أن تتفادى نداء الطبيعة بسببي"

ما زِلتُ أتمعَّن في شفتيك، ثانية وسأنهمر عليك بسيلِ رغباتي؛ لذا هربت.

"بالمُناسبة؛ أحتاج أن أُلبّي نداء الطبيعة الآن!"

هربتُ إلى الحِمّام، وسمعتُك من خلفي تنعتني بإستغراب.

"مجنونة!"

أعلم أنَّهُ سطرًا مُبتذل ومٌستهلك، ولكنَّني مجنونة بحُبِّك.

ولجتُ الحِمام واستندتُ على حوض المغسلة، أتنفس بقوَّة ويدي على صدري، ثم صددتُ ضحكاتي بيدي، كيف كنتُ على وشكِ إغتصاب شفتيك وأنا المرأة هُنا؟!

ما الذي يحصل لي؟!
أنتَ خطيرٌ علي!

أدركني المساء وأنا في معمعةِ البيت وتوظيبه، ثم حينما إمتلأت غيومي، وأرادت أن تهطل عليكَ إهتمامًا زخمًا لمحتُ الشرود في تقاسيمك.

"بِمَ أنت شارد؟!"

سألتُك حينما جثوتُ قُربك، ولم أحسب حسابًا لشيء حينما حطَّت يدي على كتفك، فتنهَّدت ببؤس ونفيته عنك حينما نفيت برأسك، تُكذِّب الكذبة وتريدني أن أُصدقها.

انعوجَ فمي بأستياء، ولكنَّهُ سُرعان ما انبسط في تفهُّم، لِمَ لا تُصارحني بما يدور في خلدك، ثم تذكَّرت أنَّني لم أتوغَّل فيكَ كما توغَّلت بي؛ لتُخبرني عنك.

أنا في محطةِ الإستكشاف فقط، ولن أجد أي مخطوطات تُفصِّلُك لي، إنما هي فقط آثار قليلة تُخبرني عنك القليل، ولكنَّها تُجمٍّلُك في عيني بإفراط.

"هل ترغب في الجلوس خارجًا على شُرفةِ المنزل؟!"

تطلَّع إليَّ ورأيتُ القبول والشوق يملآن عينيه، لا ضر وأنَّهُ سأم الجلوس في المنزل وهو عادةً لا يلجه إلا لينام.

ولكنَّهُ رفض.

"لا بأس بالبقاءِ هنا"

نُكران لسانه لما في عينيه يعني أنَّهُ ما زال يخجل مني، وإهتمامي به يجعله يشعر بالعِبأ، عُذرًا يا عزيزي، سأستمر في الإهتمامِ بك رُغمًا عن أي شعور يراودك.

تصرَّفتُ وكأنَّني ما سمعتُ إستجابة لسانه واكتفيتُ بإستجابةِ عينيه، أتيتُ ببطانيّة ثخينة وأحطتُه بها، ثم تمسَّكتُ بخصره.

"سنخرج، أنتَ تحتاج أن تتنفَّس الهواء في مهبِّه، ينبغي على نَفسَك ألا تلتهب"

رُغم أنَّني أعلم أنَّ نفسكَ مُتقرِّحة من كثرةِ الإلتهاب.

وضعتنا على الشُرفة أرضًا، ولففتُ حوله البطانيّة، ثم تحرَّكتُ لأُشعِل النار لأجله، عليه أن يبقى دافئًا.

الناس حينما رأوه بالخارج هبّوا عليه كالنَّسمات سعيدون بسلامته، وليطمأنّوا عليه، إحدى الجدّات طبطبت على كتفي وقالت لويفان.

"لا تعلم كم كانت زوجتك قويّة أثناء مرضك، لقد قطعت دابر الزعيم وابنه عنّا، وحمتكَ بشجاعة... أظنكَ محسود عليها الآن!"

مدحها لي ملأني إعتزازًا بنفسي، كلما تذكرت ما فعلته شعرتُ بأنَّ إيف لم تمُت، جاكسون لم يقتل قوَّتي، لقد نجوت منه.

جالسوه لفترة، لكن لم يُطيلوا مُراعاةً لمرضِه، وحينما عُدنا لوحدنا تفقدتُ حاله، التي لم تغيب عن عيني لحظة، ولمحتُ على طلائعه الإنزعاج.

"ما الذي يُزعجك؟!"

تطلَّع إليَّ مُستغرِبًا ونبس مشدوهًا.

"كيف تفهميني بلا أن أتكلَّم حتى؟!"

هززتُ كتفيّ بجهل.

"حتى أنا حقًا لا أعلم!"

رُبَّما حُبُّكَ أيُّها العندليب البرّي الآسٍ جعلني هكذا، أفهمك بلا كلام، بتطلُعاتك فقط.

جلستُ بجانبه، وتشاركتُ معه البطانيّة، نظر لي بإستغراب فضحكتُ أرجمه بإتهاماتي.

"لا تَكُن بخيلًا، لقد تعمدتُ أن آتي بهذه البطانيّة لأنَّها تَتَّسِع كِلانا!"

لففتُها حول كتفيه وأمسكتُ بها من طرفي، ثم أمسكتُ بها من طرفه، ويدي سافرت خلف عُنقه وقرَّبتهُ مني، شعرتُ بنشوزه لكنَّني همست فيما أُريح رأسه على كتفي.

"لا بأس؛ أعلم أنَّكَ مُتعَب من البقاء في الدّاخل، ومُتعب من إسنادِ ظهرك بنفسك، دعني أُساعدك فقط، مُساعدتك تُسعدني"

إعترفتُ له إعترافًا آخر، وهو كجاهل أجنبي عن لُغةِ حُبّي لم يفهم إشاراتي، ولا أي واحدة منهن.

مضى بعض الوقت ورأسه يرتاح على كتفي، ذراعي تلتف حول بدنه وأحرص ألا ينكشف منه إنشًا فيغزوه البرد، فحتى البرد يشتهيه.

"ماذا فعلتِ بالزعيم وابنه؟"

فورما سألني عنهم شعرتُ بالغضب، ما زِلتُ لم أكتفي مِمّا فعلتُه بذلك الوغد الحقير.

"لقد طعنتُه"

"ماذا؟!... آه!"

حرَّك رأسه في عجلةِ الدهشة، ولكنَّ ظهره تصدَّع ألمًا من صدمةِ نهوضه، فتهاوى رأسه مُجدَّدًا على كتفي.

"هو المتواطئ خلف إصابتك، أنا لن أُسامحه أبدًا وما فعلته به لم يشفي غليلي إطلاقًا!"

شعرتُ به يغزو أُذني بترانيمه الموبِّخة.

"لِمَ؟! هل تُريدي أن تقتُليه وتكوني مُجرِمة مثله؟!
أنا لن أسمح لكِ!"

"ولِمَ لن تسمح لي؟! هو حاول أن يقتُلكَ بالفعل، كيف تغفر؟!"

إنفعلتُ على سذاجته، بدى لي مثل قِطٍ مسكين أي قط آخر أقوى منه سيسرق عشاءه، ولكنَّ ردَّه ألجمني وألجم الضجيج حولنا، أصبح كل شيء صامت فعلًا.

"لستُ أغفر، ولكن هذا البيت لن يتحمل وجود قاتلان فيه!"

لزمني الصمت ولم أعرف كيف أرد، ما زال يتهم نفسه هذا الإتهام الباطل، ولا أدري متى ينفك عنه، لكنًّني لستُ مخوَّلة أن يسرد لي تفاصيل جريمته المزعومة، وسأردع فضولي عن سماعها من سِواه.

حينما وقعتُ بحُبِ هذا العندليب لم أفكر، ولكنَّني الآن سأُفكِّر بِعُمق، لن أسمح لشيء أن يسرق حلاوة هذا الحُب مني أبدًا مهما بدى مُتفاقمًا، سآخذه بروّية، سأُحلِّله، ثم أجعله لا شيء وإن كان شيئًا عظيمًا.

بصرته بعد وقت وجدته قد غفى على كتفي، جعلته أكثر راحة فأنساب رأسه على صدري حينما إتكأت على الحائط خلفنا، غطيته بحرص، ويدي تسلَّلت إلى خُصلِ شعره، التي يغزوها الشَيب.

جسده دافئ، وبدنه مُرتاح علي، وخُصلِ شعره ذات اللون البُني الفاتح تلعب بين أصابعي، هذه الشيبات ألبسته ثوبًا مُطرَّزًا بالوقار، لا تُزعجني بتاتًا، بل أُحِبُّها.

كل شيء فيه أُحِبُّه حتى عندما أراه يُدخِّن يُعجبني، أتمنى لو أنَّني سيجارة وتَمُجَّني شفتيه، ثم حينما أتذكر أنَّها ستقتله وتُقلِّص من عُمره أكره السجائر، وأحاول أن أخلصه من هذه العادة لأنها تَضُره رغم أنَّهُ عرض مُثير لعينيّ.

لا أدري كيف غلبني النُعاس لاحقًا، ونِمت ونحنُ في الخارج وبتلك الوضعيّة الحميمة، لكنَّكَ كُنت دافئًا وتُدفئني، رُغم أنَّ سلوكك بارد، لكن قلبك دافئ ويُدفئني؛ لأنَّكَ بالأصل طَيّب، ولكنَّك تكبح طيبتك، تظن أنَّني لا أراها خلف برودك، ولكن لو ما كنت طيّبًا لما كنتُ الآن معك واحتمي بجناحك.

بالنِّسبةِ لي؛ فنومي خفيف، بإستطاعتي أن أشعرُ بأي شيء من حولي، فما بالك وبدنك على بدني، يمكنني الشعور بكَ حقًا إن تحرَّكتَ ولو نُتفة؛ لذلك حينما أزعجك كابوسًا ومرَّغتَ رأسكَ في صدري هربًا منه استيقظت؛ ولأنَّك تلتجئ إلي من حُلمك المُخيف أنجدتُك؛ إذ لففتُكَ بذراعيّ بِحِرص، وحاولتُ إيقاظك.

"ويفان... ويفان، استيقظ، إنَّهُ مُجرَّد حُلم!"

لكنَّكَ أبيتَ وكأنَّكَ غارق في حُلمٍ عميق في قاعِ الهاوية لا تدُركك يدي لإنتشلك، ولا أثيري لتسمعه، وكنتَ تهلوس.

"أنا لم أحرِفها، لقد كانت في مسارها الصحيح، أنا لم أحرِفها"

"لا أدري؛ لا أدري كيف نجوت!"

تعبَّأتُ قلقًا واستغرابًا عليك، حاولتُ إيقاظك لكن بلا منفع.

"ويفان أرجوك استيقظ!"

"أنا آسف، أنا آسف!"

ثم فجأةً شهق وفتح عينيه ينظر إلي، بدى خائفًا وعيناه جمرتين يلسعهما الخوف، كان يتنفس بإضطراب، ونبضاته أشعر بها ضد صدري تتقاوى عليه، توجعه، لكنَّهُ حينما نزف دموعًا أوجعني قلبي كما لم يوجعني من قبل.

لا تبكي عزيزي، سأكون مرهم لجروحك ومُضادًا لكل إلتهابات روحك... أنا آسفة لأنّي لم آتِ من قبل.

ضممتُ رأسه إليّ، وبإبهامي مسحتُ دموعه، ثم أخذتُ أُربِّت له على شعره.

"لا تبكي وأنا معك رجاءً، سأبقى معك ولن أسمح للأذيّة أن تَلِج قلبك مُجدَّدًا!"

دفع كتفي بيدِه بعيدًا عنه، ونبس بجفاء.

"ابتعدي عني!"

حاول النهوض وحده عنّي لكن لم يُفلِح، وحينما إقتربتُ لأحاول مساعدته صرخ في وجهي بغضب وكأنَّي أرتكبتُ في حقِّه مَشئمة.

"قُلتُ لكِ لا تقتربي مني!"

صيحته أرجفتني، ولأنَّهُ بالغ القُرب منّي أخافني، عيناه كانت وشيكة مني، وأرى الدماء تُخصِّب عروقه وكأن الغضب موقد يجعل الدم فيه يغلي.

"حسنًا!"

ابتعدتُ عنه بعدما نهضت، صحيح أنَّهُ أخافني لكن سيرى أنَّهُ لن يقدر أن ينهض وحده دون عوني.

وفعلًا هذا ما حدث؛ إذ بِمُجرَّد أن رفع رأسه تصدَّعَ الألم فيه فصرخ بغضب وضرب الأرض بقبضتِه، ثم نظر إليَّ وصرخ.

"اللعنة عليكِ!"

"لم تلعنني؟! ماذا فعلتُ أنا لك؟!"

وجدتني أنفعل مثله، إنَّهُ يبالغ في سلوكه.

"لقد مدَّدتِ بعذابي، لم تترُكيني أرتاح، ألا تستحقّي اللعن؟!"

"هل تظنّي مُجرِمة بلا إنسانيّة لأراك تموت وأترُكَك، أنتَ مجنون حتمًا!"

ثم تنهدت حينما أخفض وجهه وعمَّ عليه الصمت، رأيتهُ يشحذ على قبضتيه من فرط الغضب الذي يُكبِّلهُ العجز.

حاولتُ أن أكون العاقلة بيننا، هدأتُ نفسي ببعضِ الكلمات، مثل إنَّهُ يعاني وهدفي أن أُعينه مهما بدى عونه مُعاناة لعيني سأُعينه، ثم شحدتُها على لساني بعدما ربضتُ قُربه.

"أنا آسفة، يمكنكَ أن تغضب مني كما تشاء، لكن كُف عن تعذيب نفسك، أنتَ نجوت وانتهى الأمر، الآن اسمح لي!"

مددتُ يدي أمامه، ولكنَّهُ رفضها، تنهَّدت ومددتُها بإصرار.

"رجاءً ويفان!"

تنهَّد وأومئ يفعل ما أُمليه عليه، عاونته بالنهوض، وما تركته حتى أصبحنا بالداخل، عاونته لقضاء بعض أموره، ثم إنصرفتُ لتحضير الإفطار بينما هو على فِراشه.

بعدما أتيتُ إلى هُنا تعلَّمتُ التنظيف، الآن أُدرك كم هو مُهلِك ومُتعِب، وألوم نفسي لأنّي كنتُ أضغط على خادماتي، واجعلهن يُعدن العمل لعدةِ مرّات بدافع التَّسلُّط، لقد كنتُ حقيرة، لو أنّي في مكان إحداهن لقتلتُني.

والآن بعدما مرض ويفان بدأتُ أتعلَّم الطبخ، الجدَّة تقضي عندي وقت الظهيرة وتفنيه في تعليمي وصفات تتناسب والموارد هنا، وأنا أتعلَّم سريعًا، صحيح أن طعامي ليس لذيذًا ولكن يؤكل، وويفان لا يملك خيار سوى أكله.

وضعتُ يخنة الخضراوات على طاولة الطعام الصغيرة، وقرَّبتُها منه، ثم ساعدته في القعود ليتناول الطعام.

وبما أنَّهُ لا يقدر أن يخدم نفسه مددتُ يدي لأخدمه بها، أعرض عن يدي، التي أحمل بها له الحساء، فضربتُ قدمه بسخط ونبست.

"كُفَّ عن هذا الكبرياء، يمكنكَ أن تطعمني بيدك حينما تُشفى"

"لِمَ؟! هل سيضربونكِ بسهم أيضًا؟"

وعلى غِرار ما تعوَّد واعتقد، أسندتُ ذقني على رِسغي ونبست.

"سأكون سعيدة لو ضُربت ورعيتني!"

أشاح بوجهه في سخط جعلني اضحك، ولكن تعليقه حعلني أغضب واضرب رأسه بيدي.

"لا؛ سأترك تموتي،  سأحقق لكِ عكس ما تتمنينه كما تفعلين بي!"

قدمتُ له الحساء مُجدَّدًا وما أعرض عن يدي، صحيح أنَّهُ غاضب مني؛ لأنّي أنقذتُ حياته، وأنا غاضبة منه؛ لأنَّهُ يُفكِّر هكذا، لكن لا أدري حقًا كيف أنَّ حِنقنا لا يطول، سُرعان ما نتكلَّم.

وبالنِّسبةِ للطعام؛ فلستُ من النوع، الذي يتلهَّف ليرى ردة الفعل على وجوه الآخرين، أعرفُ أنَّهُ رديئ، المُجاملة لن تُسعدني.

"أنتِ أسوء طبّاخة عرفها التاريخ!"

تعليقه كان من قلبه، جعلني أضحك، تعليقه وإن كان ذمًا يُسعدني.

"للأسفِ؛ لا خيار آخر أمامك سوى أكل طعامي الرديئ!"

تكوَّرت شفتاه في سخطٍ من الطعم ونبس.

"حتى طعام المُستشفيات أفضل!"

"لِمَ؟!
هل سبق لكَ أن دخلتَ إلى المستشفى؟!"

لكنَّهُ لم يُجبني، ولم يتلفَّظ بحرف يروي فضولي حتى، فقط سِنحته أنقلبت، وبان عليه الغضب، بدا وكأنَّهُ سيُشاجرني لو سألته سؤالًا آخر؛ لذا أطعمتهُ دون أن أقول شيء حتى.

في ساعات الظُهر؛ كانت الجدَّة لدينا حينما سمعنا ضوضاء بالخارج تُنبّئ أن لوهان آتى، قال لي أنَّهُ سيأتي ويتناقش مع ويفان بشأنِ الوعود، التي منحتها لأهلِ القرية.

حسنًا؛ من الواضح أنَّهُ سيغضب مني، يا إلهي أنا خائفة!

ويفان لا يعلم حتى أنَّني أتيتُ بطبيبٍ من المدينة لمُعالجته، سيسخط عليَّ أكثر.

"هل هذا صوتُ هليوكوبتر أم أنَّني أتوهَّم؟!"

استنكر وهو ينظر إلي، اشحتُ بوجهي بتوتر، والجدة تسآلت.

"هل هذا الشيء يُسمى هالو... ماذا؟!"

ربَّت على كتفِ الجدَّة وونغ وهو يقول.

"مروحيّة جدَّتي!"

حاول النهوض، لكنَّني ردعته أقول.

"لا تنهض من مكانك، هُم سيأتون إليك"

"من هُم؟!"

بماذا أُجيبك يا رجل؟!
أخشى على نفسي منك مُقدَّمًا.

دخل لوهان يتبعه الطبيب، الذي أجرى العمليّة لأجلِ ويفان.

"مرحبًا سيد ويفان"

"من أنت؟!"

إقتربتُ من ويفان أُبرِّر له، لِمَ بدني يرتعش وفجأة أحِس بالحر؟!

"هذا لوهان، مُساعدي الشخصيّ من شنغهاي، وهذا الطبيب، الذي أجرى لكَ العملية بظهرك، آتى ليفحص جُرحك، ولوهان اصطحبه وآتى ليتحدَّث معك قليلًا"

نظرتُ إلى لوهان؛ لأتأكد إن حقًا آتى لأجلِ أن يتحدَّث مع ويفان وهو أومئ لي، ثم نظرتُ إلى ويفان، وجدَّته يُبصرني بغضب.

"أنتِ ماذا فعلتِ وأنا نائم؟"

أخفضتُ رأسي؛ لأنّي لا أقوى أن أنظر إلى هذا الغضب في عينيه أكثر.

"لم أكُ أملك خيارًا آخر!"

صرخت حينما ألقى بقِدرِ الحساء الساخن نحوي، ولولا أنَّ لوهان اجتذبني سريعًا إلى يديه وحماني بظهره لأُصِبت.

ثم لوهان إلتفتَ إليه يصرخ.

"هل جُننت؟! هذا جزاؤها لإنها أنقذت حياتك؟!"

تجاهل لوهان وأمرني.

"عودي من حيثُ أتيتِ حالًا!"

....

يُتبع...

"ملاكه الحارس"

العندليب والبرية|| Orpheus

3rd/October/2021

......................










© Mercy Ariana Park,
книга «العندليب والبرّيّة|| The Nightingale and the Wild».
CH11||حُب الشلَّال
Коментарі