بينما أهرب|| Intro
CH1||مرأة مُلفِتة ورَجُلٌ عابِر
CH2|| خلق الأقدار الجميلة
CH3||الرجل الذي لا يخاف
CH4||الكتوم والآنسة الباكيّة
CH5||فضول إعجاب أم حُب
CH6||الكُره وأشياء أُخر
CH7||وجعٌ أُغنّيه
CH8||حُب العندليب
CH9||كيوبد مُتهوِّر
CH10||ملاكه الحارس
CH11||حُب الشلَّال
CH4||الكتوم والآنسة الباكيّة
ويفان|| كريس وو (العندليب)

بطل:

العندليب والبرّيّة|| The Nightingale and the Wild

"الكتوم والآنسة الباكيّة"

...

دخلت إيف إلى منزله، وهي تطلَّع إلى زواياه المتواضعة جدًا بل هي أقل من متواضعة، منزله صغير جدًا لدرجة أنَّهُ بالكاد يتَّسِع لشخص واحد فقط، غُرفة صغيرة تحوي رُكنًا صغيرًا يُسميه مطبخ، وحمام صغير جدًا.

كانت تتلفَّت في بيتِه وهي تشعُر بالهمِّ والغَم.

"حقًّا الإنسان لا يشعُر بالنِّعَم حتى يفقدها!"

سمعت صوت ويفان يأتي من خلفِها.

"لا تفتحي النّافِذة إطلاقًا، ولا تَخرُجي من المنزل دون عِلمي!"

إلتفتت إليه تتهكَّم.

"أوامر أُخرى سيدي؟!"

نفى برأسِه، وولجَ إلى دورة المياه فيما يخلع قميصه، سُرعان ما إلتفتت عنه وقد إحمرَّ خدّيها، هو ليس غريب الأطوار وحسب بل وجريء زيادة.

لم تعرف ماذا تفعل الآن، لذا فقط جلست على الأرض، وانتظرت أن يخرج ويدُلَّها على ما تفعله، وفيما تنتظر إسترجعت ما قال في الخارج لأهلِ القرية، قال أنَّها زوجته.

مُذُّ أن الجميع رحَّبَ بها كزوجته؛ لم تَقدِر أن تُنكِر ما نسبه إليها من قرابة، لذا إلتزمت الصمت، وأنصاعت، وتقبَّلت كل المُباركات من أهالي القرية بإبتسامة بسيطة.

لكنَّها لا تفهم لِمَ إدَّعى هذا الإدِّعاء وأسماها زوجته، ولا تَجِدُ سببًا مُقنِعًا في الحقيقة، خرج من الحمّام يلفُّ حول وِسطه منشفة، فأزاحت بوجهها سريعًا، وأغمضت عيناها بغيظ تقول.

"لرُبَّما نسيت، ولكنَّني معكَ الآن!"

نظر ويفان إلى نفسِه، ثم تقدَّمَ نحو المرآة يقول.

"اذهبي وخُذي حمّام حتى أُحضِّر لنا العشاء، وسأحضر لكِ قميصًا ترتدينه"

نهضت وذهبت إلى الحمام.

"ولكن كيف سأستحِم؟!"

تسآلت وهي تنظر حولها، لا يوجد حوض إستحمام، ولا حتى مرش ماء، سمعت صوت طرقاته على الباب، ففتحت له؛ وقبل أن تسأله؛ رأتهُ يحمل قِدر من الألمنيوم وهو يُمسكه بقطعتي قُماش.

صبَّ الماء من القدر في دلو بلاستيكي.

"قومي بتعبئةِ الدلو بماء بارد حتى تشعري بأنَّكِ تُطيقي الحرارة، لا تهدُري الماء، لا يوجد الكثير"

ثم مدَّ لها قالب أبيض يملئ كفَّ يده يقول.

"وهذهِ صابون، اغتسلي بها، وسأُحضر لكِ ليفة إستحمام جديدة."

رُغم تقديمه لكل هذه الخدمات لها، لكنَّها لا تشعُر بالتَّحسُّن، تود أن تبكي.

"لرُبَّما كان الزواج من جاكسون أرحم من هذه العيشة، التي تحت خط الفقر بكثير!"

تباكت وهي تقوم بضبط درجة حرارة المياه كما علَّمها، لكنَّها حينما رفعت الكوب وسكبته على كتفِها صرخت.

"ساخن ساخن!" 

لكنَّها بعد حربٍ طويلة مع الحمام؛ خرجت أخيرًا تلفُّ جسدها بمنشفة؛ فهو لم يُقدِّم لها ثيابًا ترتديها بعد، وبالتأكيد لا يوجد لديه روب إستحمام، بل فقط تلك المنشفة الباليّة.

خرجت على أستيحاء وهي تُمسِك بالمنشفة المُهترئة بقبضتيها بقوّة، كانت تكمش جفونها وتود لو أنَّهُ لا يراها في هذه الحالة.

كان ويفان يقف إلى المطبخ فيما يرتدي بنطال تُرابي وقميص داخلي بلا أكمام أبيض اللون، وتلك القِلادة لا تُفارِق عُنقه.

"عُذرًا لكن أنا..."

قاطعها دون أن يلتفت ناحيتها.

"وضعتُ لكِ قميصًا على الفِراش، إرتديه، وسرِّحي شعرِك، وتعالي لتناول العشاء"

تحرَّكت لتُنفِّذ ما قال، وبالفعل وجدت قميص زيتيّ اللون يضعه على الفراش، إرتدته وقد وصلت حدوده إلى رُكبتيها، هو طويل حقًا وهي مُقارنة به قصيرة.

تقدَّمت منه بعدما إنتهت من نفسها، ورأته يضع قِطع خُبز على صينيّة وبيض مَقلي بالإضافة إلى بعض الأطباق الجانبيّة الصغيرة جدًا والقليلة جدًا، وتحتوي على أقلِ القليل.

وضع الصينية على الطاولة الخشبيّة، ثم جلب أبريق الشاي، وفُنجانين صغيرين وشفّافين، ووضعوهما بجانب الصينيّة، جلس أرضًا، ثم دعاها للجلوس معه بإشارة، ففعلت رُغم شعورها بالغرابة، وبالنظرِ إلى مقدارِ الطعام تهكَّمت.

"أظن أنَّ السبب في أنَّني لم أرى أيُ شخص سمين في هذه القرية هو بسببِ هذه السُّفرة"

همس بصوتٍ مُنخفض لم تسمعه.

"يوجد، ولكنَّني أتمنَّى ألا ترينه أبدًا"

قبضت حاجبيها بغرابة.

"لِمَ؟!"

"لا حاجة لكِ لمعرفةِ السَّبب"

قال ذلك يقمع فضولها فيما يُقدِّم لها قطعة خُبز ليقمع جوعها، أخذت قطعة الخُبز منه بأستياء، وبدأت تأكل هذه الأصناف الغريبة، التي تراها وتتذوَّقها لأولِ مرة في حياتها.

همهمت في لذَّة وهو ما كان له رد، كان يعلم أنَّها ستُحِب هذا الطعام، هكذا يكون طعم كل شيء لأولِ مرة؛ لذيذ وغريب.

أخذت تُشير على الصحون وتسأل.

"ما هذا؟!"

"حليب من الغَنم"

"وهذا؟"

"زُبدة"

"وهذا؟!"

"كُرات اللبنة المُغمَّسة بالزيت؟!"

برمت شفتيها.

"أسماء أعرفها لأشياء لا أعرفها"

"هذا الطعام الخام تصنعه نساء القرية"

أومأت برأسِها تتفهم، ولم تحتاج أن تسأله عن الطبق الأخير فهو بطاطا مسلوقة، لم يُسبَق لها أن أكلت طعامًا مُشفِقًا ومُتقشِّفًا إلى هذا الحد، لطالما كانت مائدتها طويلة، وعريضة، ومُتخمة بأشهى الأطباق، وأكثرها ترفًا، ولكن على عكسِ التوقعات؛ لطالما أكلت من مائدتها المُترفة لتنجو فقط، لكنَّها الآن تأكل من هذهِ المائدة الفقيرة جدًا لأنَّها لذيذة.

نظر لها ويفان، لأولِ مرَّة مُذُّ سبعِ سنين أن شعر بأن أحدهم بحاجته، وأنَّهُ سند لأحد ما، وذلك يشعرُه بأهميَّتِه، وأنَّ لهُ فائدة حتى لو بان معها جامدًا وجادًا طوال الوقت.

بعدما إنتهى من الطعام نهض، وحينما أرادت النهوض من بعده قال.

"لا داعي أن تنهضي... أكملي طعامِك"

عاودت الجلوس، وهو سكب لنفسه كأس شاي آخر، وتوجَّه ليجلس أمام النافذة، صنع غليونًا يدويًا، وأخذ يُدخِّنه.

وفيما ينظر عبر النافذة ويُطلق الدُّخان من بين شفتيه قال.

"من صباحِ الغد لن تكوني ضيفتي بعد الآن"

نظرت إليه بقلق وهمست.

"ستطردني؟!"

نفى برأسه واتبع.

"بل ستكونين من أهل بيتي"

نهض من مكانه واقترب منها، وفيما يُطفئ السيجارة في الصينية قال.

"الليلة أنتِ ضيفتي؛ لذا سأخدمك... من الغد سنتقاسم المسؤوليات... أنا أصطاد، وآتي بالخُضروات، وأطبخ حتى تتعلَّمي الطبخ، وأنتِ تُنظِّفي المنزل، ولوما نظفتِه جيدًا سيكون عليكِ تنظيفه مُجدَّدًا."

جلس قِبالتِها واتبع.

"من الغد أنتِ أمام الناس زوجتي، لا أُحِب أن أُمثِّل دور الزوج المُتسلِّط، لكن الرجال هنا هكذا، وعلي أن أتصرف على سجيتهم، لذا مهما أقول تُطيعيني أمام الناس، ولا تُجادليني.

في المنزل؛ نحنُ شركاء سكن وحسب، لا شأن لكِ بي ولا شأن لي بكِ، لا أسئلة شخصية ولا علاقة مهما كان نوعها، أي أنَّنا غُرباء وسنبقى... حسنًا؟!"

كانت تقبض حاجبيها بأستياء، ويبدو الرفض القاطع على ملامحها المُحتدَّة.

"هل تظنَّني سأوافق على شروطِكَ هذه؟!"

وضع كأس الشاي في الصينيّة، وأخذها يقول.

"اذهبي للنوم الآن"

"أنت! إنَّني أتكلَّم معك!"

ولكنَّهُ لم يأبه أبدًا بصوتِ رفضها، في النهاية؛ سيحدُث ما يُريده هو، ليس من بابِ التَّسلُّط، ولكن لحفظِ سلامتِها... هي لا تدري وهو لا يشرح.

لذا تجاهلها ويفان ونظَّفَ الصحون، ثم في وقتِ النوم؛ وضع لنفسِه فراشًا ولها آخر، وأختار لها الأكثر راحة؛ ليس لأنَّها أُنثى بل لأنَّها مُعتادة على الرفاهية.

كان كل منهما يتمدَّد في أقصى الغُرفة، هو يمينًا وهي يسارًا.

"أيُّها العندليب"

"أظنَّني أخبرتُكِ اسمي"

تبسَّمت ووضحت.

"أُفضِّل استخدام هذا اللقب، يليقُ بك!"

والعندليب لم يرد بشيء، ولم يفتح جفنيه حتى، فاتبعت.

"ماذا عن أغراضي؟! هل ستستطيع أن تُحضرها؟!"

همهم.

"متى؟"

لكنه لم يجب، ولقطعِ حبل المشاكل بينهما قررت أن تُصدِّق أنَّهُ غفى وهو يتكلَّم معها، لا أنَّهُ يتجاهلها.

...

في الصباح الباكر؛ استيقظت إيف على رائحة الطعام وهو يُناديها أن تستيقظ.

نهضت لتقوم ببعضِ أمورها، ثم أتت وجلست قِبالته على مائدة الإفطار.

وبعدما إنتهى نهض وارتدى قميصه، ثم خرج من المنزل، تنهدت إيف وهي تنظُر في المكان، معنى هذا أنَّ مُهِمَّة التنظيف عليها حقًا.

لقد رأتهُ الأمسَ كيف يُنظِّف الأواني؛ لذا فعلت كما رأته يفعل، أما مع بقية المنزل فوجدت نفسها عاجزة، لا يوجد أدوات تنظيف بمنزله حتى، فكيف تُنظِّف منزله؟!

هي حتى ليست مُعتادة أن تُدبِّر المنزل، فكيف تفعل؟!

تنهدت وجلست أرضًا بعجز، ما كان الضير لو قام بتعليمها على الأقل ماذا تنظف، وكيف، وبماذا؟!

بعد مُضي بعض الوقت؛ سمعت صوت طرقاتٍ على الباب الخشبي، فنهضت لفتحِه، وإذ بها عجوز كبيرة في السِّن، تبسَّمت لها العجوز أثناء إنتشار العُجمة في وجهِ الصَّبيَّة.

"يبدو أنَّ ويفان لم يخبركِ عنّي شيء؛ لكنَّني سأُعرِّفكِ بنفسي"

أومأت لها إيف، فاتبعت الجدة.

"يدعونني الجدَّة وونغ، وويفان يُناديني جدَّتي... يمكنكِ مُناداتي بما يُريحك"

ابتعدت إيف عن الباب ودعت الجدّة للدخول، والجدة قبلت الدعوة وهي تقول.

"لطالما شعرت أنَّ في صدرِ صغيري ويفان جُرحٌ غائر؛ والناس ينادونه بالعندليب لأنَّ صوته شجي وعيناه مُعذَّبة ويملؤها الوجع، ما زلتُ لا أُصدِّق أنَّهُ تزوَّج."

أومأت لها إيف فيما الجدَّة تجول ببصرِها في الشقة، إذًا ليست وحدها من أحسَّتهُ عندليبًا شجيًّا حزينًا.

"المنزل يحتاج تنظيف، لا عجب في ذلك، لقد كان صغيري ويفان خارج القريّة لعدةِ ليالي"

تبسَّمت إيف بحرج وتمتمت.

"المُشكلة أنَّني لا أعرف كيف أُنظِّفُها"

تبسَّمت الجدّة وربَّتت على يد إيف.

"هذه اليد الناعمة تمنحكِ العُذر، من الواضح أنَّكَ لم تتعبي بأعمال المنزل بحياتِك"

أومأت لها إيف وهي تتنهَّد، ونهضت الجدّة لِتُعلِّمُها كيف تُدبِّر المنزل، والجدة لم تتوقف عند هذا الحد بل حضَّرت الغداء أيضًا، فعلى حسبِ قولها؛ أنَّ ويفان يعود مُنهك من الخارج بالفعل، وهي توفِّر عليه بعض الجُهد.

غادرت الجدة وونغ، وبقيت إيف في المنزل لا تفعل شيئًا تحديدًا حتى يحين موعد عودة ويفان إلى المنزل، رغم أنَّهُ لا حاجة لها بإنتظاره، فحضوره مثل غيابه... لا فرق.

.................................

وبينما الأمور تسير مع إيف ببطئ تسير الأمور مع لورين بجنون، فمُذُّ تهديد جاكسون لها ليلة أمس في بيته وهي لا تشعر أنَّها بخير إطلاقًا، وخصوصًا بعدما رأت بِأُم عيناها كم أنَّ والدها سعيد بهذه المعرفة الجديدة، ومن الآن يُفكِّر بطريقة يقوي بها علاقاته مع رجل الأعمال الواصل هذا.

لقد عبَّر عن فرحه بهذه الدعوة بحماسٍ شديد، وعينُ الأب في ضميره مُطبقة جفونها؛ فلا يرى مُعاناة إبنته ولا خوفها إطلاقًا.

غاص المساء وآتى الصباح ثم آتى المساء من جديد ولورين تقف بعجز، لا تدري ماذا تفعل لتنقذ نفسها من هذه المُصيبة، المُشكلة أنَّ لا أحد يراها مُصيبة سواها.

في المساء؛ أتت رسالة نصيّة على هاتِفها، جعلت أوصالها ترتجف خوفًا، فلا يبدو أنَّ القادم من عُمرها قدر سعيد، بل أتعس أقدارها على الآن.

"تسعةٌ وعشرون يومًا"

هذا ما ما كتبه في رسالته تلك، تهديد لا يتضمنه كلام مُهيب ومُخيف، لكنَّهُ بالنِّسبةِ لها؛ أكثر الأفلام رُعبًا على الإطلاق.

لم تَكُ تعرف لمن تشكوه، وكيف سَتُنقِذ نفسها منه، هي حتى لا تستطيع أن تتواصل مع إيف، ولن تُفشي له بالمكان الذي ذهبت إليه مهما حدث.

لقد كانت تعلم مُذُّ البدايّة أنَّهُ في الأغلب سيقبض عليها، فهي سيئة في فعلِ الأمور السيئة وتدبيرها، كانت تعلم أنَّها لن تكون بآمان بعد تلك الفعلة، لكنَّها لم تعلم كم أنَّ العواقب ستكون وخيمة؛ ستستمر بدفعِها طالما أنفها يتنفَّس الهواء.

...........

إيف بطبعِها لا تُطيع الأوامر وهذا ما فعله ويفان، فلقد أمرها بالمكوثِ بالمنزل وهي بالتأكيد لن تُطيعه، ولسببٍ بسيط؛ أنَّهُ إستخدم صغية الأمر معها.

لكن لحظة!
ماذا لو خرجت ولم تعرف طريق العودة، أو صادفها حيوان برّي أو رَجُلٌ بربري؟!
لا؛ إذًا البقاء في المنزل أفضل.

خرجت إيف وجلست في رُدهة المنزل الخارجيّة، التي تطل على القرية بوِسعها، كانت تبتسم فيما تتنفَّس الهواء بِعُمق وتُغلق عيناها.

ذلك الرَجُل الغريب خطر على بالِها فجأة، صحيح أنَّهُ كتوم وصامت، يتجاهلها كثيرًا ولا يتحدَّث معها؛ لكنَّهُ لا ينفك من المكوث في بالِها.

كُلَّما رأته تذكَّرت حينما رأتهُ في شنغهاي قُربَ المقبرة، هالته كانت مختلفة، قد بدى يومها حزينًا جدًا وحياته سوداويّة، ما زالت ترى أنَّ له ذلك المزاج السوداوي؛ ولكن على عكس ذلك اليوم؛ الآن لا تُقيم ملامحه المُنمَّقة أيُّ إحساس، لا ترح ولا فرح، لا حب ولا كره، ولا شيء... بل فارغًا وباردًا؛ لا يُقرأ.

لكنَّها من اللحظة التي رأته بها وهي مُعجبة بهالتِه، رُبَّما لأن الكِبر كان يملئ منكبيها ويُخيّم فوق رأسها، والآن قد وضعتها الحاجة على كتفيه عالة.

تنهدت وفتحت عيناها بعد وقت؛ فرأت شابًّا يافعًا يتقدَّم إليها بينما يحمل الكثير من الأكياس على يده، وسرعان ما تعرَّفت على هذه الأكياس، إنَّها الأشياء التي إشترتها لها لورين.

وقفت وتقدمت من الشاب ذا المبسم العريض والطول الفارع.

"سيدتي، أنتِ زوجة أخي ويفان؟!"

تشعر بالغرابة كلما سمعت هذا اللقب، ابتسمت بحرج وأومأت؛ فمدَّ لها الأكياس يقول.

"هذه الأشياء التي أحضرناها من الغابة"

بدت الأكياس أكثر وأثقل مما تستطيع أن تحمله.

"اوه! سأضعهم لكِ في الداخل"

تبسَّمت له بحرج وهمست.

"شكرًا لك"

وضع أغراضها أرضًا ثم إلتفت لها بإبتسامته البشوشة حينما سألته.

"ماذا عن السيارة؟"

قبض حاجبيه بغرابة ثم ابتسم.

"اوه! لقد إستهكلتنا وقتًا طويلًا حتى إستطعنا إخراجها، وقام أخي ويفان بإخفائها"

ثم اقترب منها ، وذلك جعلها تشعر بالريبة منه، لا تدري أن فتيان الريف أبرياء لم تلوثهم خطايا المُدن، أو أن الرجال كلهم الذين قابلتهم في حياتها كانوا سيئين كفاية؛ لتعمم إنطباعها عليهم على بقية الرجال في العالم.

الشاب شعر بنفورها من سلوكه، فسُرعان ما إحمرَّت أُذنيه وطأطأ رأسه مُحرجًا من سلوكه يقول.

"آسف، لقد تصرَّفتُ معكِ على سجيتي، ونسيت أنَّكِ لستِ منّا، أنا آسف!"

نفت برأسها وهمست.

"لا عليك؛ أخبرني ماذا كنتَ ستقول؟!"

نظر الشاب من حوله، ثم تكلَّم بنبرة صوت منخفضة؛ حريصًا ألا يسمعهما أحد.

"فقط كنتُ سأخبرك أنَّهُ لا يجب على أحد أن يعلم أنَّكِ من المدينة وإلا ستمُري بمعاناة مع زعيم القرية وابنه، ولا تتصرَّفي على سجيَّتك، حاولي أن تتصرَّفي كما بقية النساء هنا خارج حدود المنزل"

ويفان سبق وحذرها من هذا الرجل وابنه، والآن هذا الشاب اليافع يفعل أيضًا، ودَّت أن تعلم حقًا من هذا الرَّجُل وابنه.

"عُذرًا لكنَّني حقًا لا أفهم لِمَ تُحذروني منه، أهو لهذه الدرجة سيء؟!"

برم الشاب شفتيه وأومئ، ثم همس لها.

"وأسوء مما تتوقعي سيدتي، لذا احذري منه!"

تنهَّدت وأومأت، والشاب إلتفت للمغادرة لكنَّها استوقفته.

"أين ويفان؟"

"بالتأكيد هو الآن عند الشلال يُغنّي"

"ماذا؟"

تبسَّم الشاب ولوَّح لها بيده، لكنَّها إستوقفته مُجدّدًا.

"أيُها الشاب!"

إلتفت لها فتسآلت.

"ما اسمك؟"

تبسَّم وأجاب.

"يوك هيي؛ وونغ يوك هيي سيدتي"

تبسَّمت إيف وردَّت.

"اسمك صعب، سأناديك لوكاس بدلًا من ذلك"

أومئ لها الشاب باسم الثغر وغادر، ها قد أصبح يملك اسمًا أجنبي الآن.

....

في المساء؛ عاد ويفان أخيرًا إلى القرية، ولكنَّهُ لم يَعُد إلى المنزل، فحينما طُرِقَ الباب ظنَّتهُ هو؛ لكنَّها كانت الجدَّة بالفعل.

كانت على شِفاه إيف إبتسامة في غايةِ الضيق حينما فتحت الباب ظنًّا منها أنَّهُ هو، وتلك الإبتسامة إنحسرت حينما رأت الجدَّة تقف بدلًا منه؛ ولكنَّها سُرعان ما ابتسمت إبتسامةً أوسع؛ فالجدَّة وونغ إمرأةٌ لطيفة تبعثُ في النَّفس الرّاحة.

"تعالي يا صغيرتي معي، إنَّني أُشفقُ عليكِ، لقد آتى بكِ صغيري ويفان من مكانٍ قَصي، والآن يترُككِ وحدكِ وينشغل بعملِه"

"عمله؟"

أومأت لها الجدَّة وهي تُمسِك بيد إيف وتسحبها معها خارج المنزل.

"نعم، الآن هو في كُشك التصليح الخاص به، يقضي هُناك ساعتين على الأقل قبل أن يعود إلى المنزل"

جلست الجدَّة على الدرجتين نحو منزلها، ثم ربَّتت بِجوارِها لأجلِ إيف، فجلست تتسآل.

"ظننتهُ يعمل مُعلِّمًا!"

تنهَّدت الجدَّة وهمست.

"أوتظنّي أن تعليم الأطفال وحده يكفي ليجني قوت يومه؟!

في البداية كان يُعلِّم الأطفال تطوُّعًا منه، لكنَّني أقنعتُ الأهالي أن يدفعو له حِصَّة بسيطة من المال مُقابل جُهده على أطفالهم.

في البداية رفض أن يقبل المال، ولكن الحاجة فرضت عليه القبول، فأصبح عملًا بدلًا من مُجرَّد تطوُّع.

لكن بالتأكيد تدريس الأطفال لن يكفي ليؤمن حياته بأكملها، صحيح أنَّ مهنته كمُعلِّم تُغطّي نفقاتِه الخاصّة، لكنَّهُ يحتاج للمزيد من المال ليبني حياته أفضل.

صحيح أنَّ المال في القُرى لا قيمة له مُقارنةً بالمُدن، لكن لا يسعنا دومًا أن نتقايض الحاجة، المال أفضل في بعض الحالات ومع بعض الناس؛ كويفان مثلًا"

أومأت إيف، إذًا الحياة هُنا حقًا ليست سهلة إطلاقًا، والآن هي عبئًا إضافي على كتفيه، ترغب في مُساعدته بجمعِ المال، لكنَّها لا تُجيد فعل أي شيء من الخدمات المطلوبة ها هنا.

"انظري إلى هناك!"

أشارت الجدَّة بيسارِها نحو الكُشك الصغير، الذي يملكه ويفان، كان يُمسِك بجهاز راديو غارق في القِدم، وبتركيز يقوم بتصليحه فيما يضع مفك خلف أُذنه.

لم تنظر إليه نظرة سيّدة إلى مجرد شاب ذا صنعة، بل مُذُّ متى والرجال الذين يعملون في هذا المجال يبدون في غاية الإثارة هكذا؟! أم أنَّهُ حالة خاصّة؟

يرتدي قميص أبيض داخلي بلا أكمام قد لوَّثته البيئة المُحيطة، فيما ينحدر من على نحرِه قِلادته المعدنية، تعلق بين شفتيه سيجارة يتنفَّسُها كل فينة، ويتركها عالقة بين شفتيه حتى تموت وينطفئ لهيبُها، حاجباه معقودان بتركيز فيما يرفع الراديو على فخذه، وقدمه فوق الكرسي.

يلف خصره بقميصه، فيما يرتدي بنطالًا زيتي اللون واسع على ساقيه تملؤه الجيب، وعُنق حِذاءه طويلة تكاد تدق رُكبتِه.

لقد سحرها مُذُّ المرة الأولى التي رأته بها، كيف لمثلِ ذلك الرجل الحزين أن يبدو بهذه الإثارة وهو يُصلح راديو قديم بثيابٍ كهذه؟

تنهَّدت إيف بِعُمق وأبعدت بصرها عنه، لأوَّلِ مرَّة في حياتها يُعجبها رَجُل، لطالما ركض خلفها الرِّجال ولم تركض خلف أحد قط؛ لذا كي لا تركض خلفه مُستقبلًا أشاحت ببصرِها عنه، حقًا يكفيها غواية.

بعد وقت؛ إستأذنت إيف الجدَّة لتعود إلى المنزل، باتت رؤية ويفان هكذا خطيرة عليها، لِمَ يُعجبها رَجُلٌ برّي قُروي بسيط لا تفهم!

تنهدت وولجت دورة المياه تغسل وجهها، ثم صفعت وجهها عدة مرَّات بِخفَّة تُتمتِم.

"إيف استيقظي واللعنة!"

أمسكت بالمنشفة المُعلَّقة قُرب المغسلة، جفَّفت وجهها وهي تخرج، ولكنَّها شهقت حينما رأت ويفان يجول بالمنزل.

تمسَّكت بقلبِها تزفر.

"لقد أخفتني، لم أشعر بكَ حينما دخلت!"

لم يرد، بل كان بصره يجوب المنزل، وأخيرًا إلتفت لها فيما هي تتحرَّك لتأخذ لها ثيابًا أُخرى.

"لستِ أنتِ من نظَّف المنزل بل الجدَّة؛ أليس كذلك؟!"

"كيف علمت؟! هل أخبرتك الجدَّة؟"

إقترب ليمسح على الطاولة الخشبية الصغيرة بأصبعه، ثم تحسَّس أصبعه.

"ليست بحاجة أن تُخبرني، أنا أُميّز تنظيف الجدَّة عن أي أحد سِواها"

تنهَّدت واستقامت إيف فيما تحمل بين يديها ثيابها.

"نعم، هي من نظَّفته، ألديكَ مُشكلة بذلك؟!"

إرتفع حاجبه عن ناصية عينه، ثم إقترب منها حتى رسى أمامها وهمس.

"نعم، لدي مشكلة... كيف وأنتِ إمرأة صبيّة صغيرة تتقاعس عن تنظيف منزل شديد الضيق كهذا، وتتَّكئ على ظهرِ عجوز بالكاد تَجُرُّ قدميها وتسير؟!"

تنهَّدت إيف، وكادت أن تُبرِّر لولا أنَّهُ قاطعها حينما رفع سبّابته بوجهِها، وبدى عليه شيئًا من الغضب.

"أنتِ هُنا لستِ في فُندُق، أنتِ هُنا إمرأة مسؤولة مثلكِ مثل أيُّ إمرأة في هذهِ القرية!"

إمتعضت ملامحها بأستياء حينما منحها ظهره، ومضى دون أن يسمعها حتى.

"لكن أنا...!"

إلتفت لها وأشار عليها يقول بنبرٍ حاد.

"احذري يا آنسة أن تتصرَّفي هُنا مثل سيدة علي وعلى الناس، لا أُطيق هذه الفئة من النّاس!"

قبضت يداها بقوَّة وإمتلأت عيناها بالدموع تقول.

"هل يُمكن أن تسمعني على الأقل قبل أن توبخني وتُهدِّدني؟!"

توقَّف ويفان قُرب باب دورة المياه فيما يمنحها ظهره وكذلك فُرصة لِتُبرِّر، إيف مسحت عيناها من تلك الدموع العالقة بين رموشها وهمست.

"أنا للأسف من هذه النوعية التي تكرهها من الناس، أنا بحياتي كلها لم أُمسِك بممسحة أو مُكنِسة أو أغسل صحنًا، لطالما كان هُناك من يخدمني طيلة عمري.

لستُ أقول ذلك بداعي الغرور لكن لأُخبركَ أنَّكَ المُخطئ هذه المرة، أنت أخبرتني أن أتولى تنظيف المنزل، لكنَّك لم تمنحني وقتًا لأسألك كيف وبماذا، لأنَّني حقًا لا أعلم."

لكنَّها فجأة وجدت نفسها تنفجر باكية وهي تتحدَّث.

"أنت هكذا معي دائمًا، أتكلَّم ولا ترد علي، أسألك ولا تُجيبني، تُدير لي ظهرك ولا تنظر إلي، أعلم أنَّني عبئًا على كتفيك لكن لا بأس لو تصرَّفت بطريقة أفضل معي، أريد أن أشعر بأنَّني إنسانة عاقلة وراشدة كفاية حتى إن سألتُك سؤالًا إلتفتَّ وأجبتني!"

ولأنَّهُ لا يوجد مكان كي تختلي فيه بنفسها، خرجت من المنزل وجلست في رُدهته الخارجيّة وهي تبكي، لِمَ تبكي؟!

لا تعلم حقًا، لطالما كان جاكسون جافًا مقيتًا معها في معظمِ الأحيان لكنَّها لم تبكي قط، بل إنَّها لم تنزعج، والآن لا تتحمَّل أن يتجاهلها ذلك القروي الذي يُدعى ويفان.

أشفق ويفان عليها حينما رآها تجلس وتبكي هكذا، لا يُحب أن تبكي النساء ويكره بشدَّة أن يكون السبب في بُكاء إحداهن، لكن ماذا يفعل؟!
لقد إعتاد أن يتصرَّف بتلك الطريقة مُذُّ أن آتى إلى هنا، وجفَّ قلبه الميت إلى آخرِ قطرة دم.

تركها مع نفسها كي ترتاح قليلًا، بتلك الأثناء إستحم وسخَّن الطعام، ثم خرح ليُناديها كي تُشاركه الوجبة.

"تعالي كُلي معي هيا"

لم تجبه فتنهد واقترب منها يقول.

"هيا سيبرد الطعام"

فجأة بدأ يسمع ضجيج في القرية ولوكاس من بعيد آتٍ يصرخ.

"زعيم القرية وابنه وعصابتهم آتون!"

...

يُتبَع...

"الكتوم والآنسة الباكيّة"

"العندليب والبريّة"

9th/July/2021

...............

دمتم سالمين❤
❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤Love❤

© Mercy Ariana Park,
книга «العندليب والبرّيّة|| The Nightingale and the Wild».
CH5||فضول إعجاب أم حُب
Коментарі