بينما أهرب|| Intro
CH1||مرأة مُلفِتة ورَجُلٌ عابِر
CH2|| خلق الأقدار الجميلة
CH3||الرجل الذي لا يخاف
CH4||الكتوم والآنسة الباكيّة
CH5||فضول إعجاب أم حُب
CH6||الكُره وأشياء أُخر
CH7||وجعٌ أُغنّيه
CH8||حُب العندليب
CH9||كيوبد مُتهوِّر
CH10||ملاكه الحارس
CH11||حُب الشلَّال
CH5||فضول إعجاب أم حُب
وو ويفان (العندليب)

بطل:

العندليب والبرّيّة|| The Nightingale and the Wild

"فضول، إعجاب، أم حُب؟"

...

إنتشرَ إستنفار شديد بين رجال القرية، فلو كانت المُدن الكُبرى تُعاني من أمثال جاكسون فالقُرى تُعاني من أمثال زعيمها وابنه.

علم ويفان ما نيّة الزعيم من القدوم مُذُّ اللحظة، التي علم فيها أنَّهُ آتٍ، السبب هو تلك الفتاة، التي أصبحت بحمايته؛ فمُذُّ اللحظة التي وطأت بها قدم ويفان هذه القرية وهذا الزعيم يراقبه؛ لأنَّ ويفان بدى مُختلفًا، ولا ييدو عليه أنَّهُ عاش نمط الحياة، التي عاشوها الناس هنا؛ لذا دومًا ما يكون حريص لمعرفة آخر أخباره.

أمسك ويفان بيد إيف وأدخلها سريعًا إلى قلب المنزل، ثم أسرع بجلبِ عباءة مُهترئة وألقاها عليها يقول.

"إرتديها سريعًا ولا تخرجي حتى أقول لكِ"

ثم خرج مُسرعًا دون أن يسمح لها أن تسأله كالعادة، تنهدت بأستياء ونظرت إلى قطعة القُماش المُهترئة هذه تتذمَّر.

"وهل هذه قابلة لأن تُلبس حتى؟!"

إرتدتها ولبثت في إنتظاره أن يطمئنها أنَّ كُل شيء سيكون بخير، وأما ويفان في الخارج؛ فلقد كان يقف في رُدهة منزله، وحوله يقفون بعض الرجال من أصحابه.

وها هي سيارة الزعيم تأتي، الجديرُ بالذكر أنَّهُ الوحيد الذي يمتلك سيارة بكل هذه القُرى، التي تنتشر على مساحات واسعة، فهو يتزعمها كلها ويستغل سكانها أجميعن.

سيارة دفع رُباعي بلا سقف قد ولجت القرية، يقودها ابن الزعيم وهو يجلس بجواره، يتبعونهم رجال كُثر على أحصنة.

تقدَّمت السيارة من بيتِ ويفان حتى إصطفَّت أمامها، ثم ترجَّل الرَّجُل وابنه منها، تحاشد الرجال حولهما، وعاضد أزر ويفان رِفاقه من شباب القرية، إقترب الرجل فيما يبتسم، ثم أخذ إبنه يُصفِّر ساخرًا.

"تتعاضدون مع رَجُل لن ينفعكم، ماذا لو منعتكُم عن العمل في الحقول؛ كيف ستعيشون؟"

نظر ويفان يمينه ويساره نحو رِفاقه الذين إعتلى سِنحاتهم القلق، هو الوحيد في كل القُرى الذي يجني قوته بعمله المُستقل وإلا جميع الرجال يعملون عند الزعيم وابنه، وبالتأكيد ويفان لا يُريد أن يتسبَّب بالأذى لأي أحد منهم أو يكون السبب في قطعِ أرزاقهم.

"اذهبوا إلى منازلكم"

إعترض الشاب الصغير الذي اسمتهُ إيف لوكاس.

"لكن...!"

"قُلت اذهبوا!"

قطع ويفان على الشاب الصغير وصل كلماته، وبإصرار أمرهم بالمُغادرة، وهُم لم يكن في وِسعهم سوى طاعته والمُغادرة، وهكذا بقيَ ويفان وحده بمواجهتم.

إقترب منه الشاب ابن الزعيم، وهو بمطلع الثلاثين، وفيما يبتسم إبتسامة مغرورة نبس.

"ماذا؟!

أرى أنَّهُ لم يبقى أحد بصفِّك، بقيتَ وحدك!"

تبسَّم ويفان ونبس.

"هل تراني بحاجة أحد لأضرب فتى صغير؟!"

إرتفعت يد ايشينغ -ابن الزعيم- ولكم بها ويفان، فتراجع الأخير عدة خطوات للخلف، ثم قبل أن يَرُد ويفان اللكمة، أمسكوا به رجال الزعيم وقيدوه بأيديهم حتى ركع على الأرض، تقدَّم الزعيم وهو يستخدم عصاه كقدم ثالثة.

"سمعتُ أنّكَ تزوجت، ألن تسمح لنا أن نرى سعيدة الحظ بك، أين العروس الجميلة؟"

أمر رِجاله أن يفتحوا باب منزله قصرًا، وأن يقتحموه ليأتوا بأي من هي بالداخل، سمع كريس صوت صُراخ إيف تحاول مقاومة الرجال ونفض أيديهم عنها، ولكنَّها مع الأسف لا تقدر عليهم.

اخرجوها وجعلوها تقف قِبالة الزعيم، الذي يتربَّص بوجهها وابنه، الذي يتربَّص بقامتِها، فقطعة القُماش الرديئة تلك لم تُفلِح أن تُحوِّل الجمال إلى قُبح.

أمسك ايشينغ بيدها واجتذبها له يهمس.

"ما اسمك يا جميلة؟"

صرخ ويفان وهو يحاول بكل قوته أن يفك نفسه من كومة الرجال المُتربِّصين به.

"أياكِ أن تُخبريه، لا تُجيبيه!"

حاولت إيف مقاومة قبضة هذا الشاب الغريب على ذراعها، حاولت بجد أن تتفلَّت منه لكن عبثًا، فصرخت به بقوَّة.

"اتركني!"

قهقه الشاب وأومئ مُعجبًا بشجاعتها.

"من فضلكِ اصرخي علي مُجدَّدًا!"

نظرت إيف إلى ويفان فيما تَشعُر بالعجز، لكنَّه نفى برأسه؛ كي لا تُجادل ذلك الرَّجُل اليافع؛ فيبدو أنَّهُ يستمتع بِمُجادلتِها حقًا، ثم ويفان هسهس بغضب.

"اتركها وإلا كسرتُ لكَ يدك هذه!"

"اوه! يبدو هذا خطير!"

سخر يشينغ ثم إقترب من ويفان يقول.

"وكيف ستفعل يا صديقي؟"

بعصبيّة نبس ويفان.

"سأُريك!"

قاوم الرجال بكل قوته وهو يصرخ بغضب حتى إستطاع أن يتحرَّر من قبضاتهم، تفلَّت منهم وبدأوا بِمُهاجمته، وبدورِه لم يتوانى عن صدِّ هجماتهم وضرباتهم إليهم حتى وصل إلى ايشينغ، وبدأ بضربه؛ ليس لأجلِ أنَّهُ أركعه على رُكبتيه وأهانه أمام الناس؛ فويفان لا يأبه لنفسِه، لكنَّهُ فعل لأنَّ هذا الفتى الوقح تطاولت يده ولمست الفتاة، التي إلتجأت إليه واحتمت به، وهو تعهَّد أن يحميها من البداية حتى ما تعود بحاجتِه.

لم يَكُ ويفان المُنتصِر بِكُلِّ فقراتِ الشِّجار؛ فلقد كان قتالًا يُقاتِل بهِ فُرادى ضدَّ مجموعة لا بأس بها من الرِّجال، وحتى ابن الزعيم المَدعو ايشينغ ليس سهلًا؛ فخوض قِتالًا معه مُكلِف بدنيًا؛ لكن ويفان لم يأبه بكل الموانع التي تُحيطه، هو أراد تلقين هذا السفيه درسًا في التَّأدُّب مع النِّساء.

لَكَمَ ويفان ولُكِم، ولكنَّهُ ضلَّ قويًّا عتيدًا لا يهتم، فلو كانوا يملكون العُدَّة فهو يملك الشجاعة، ولا يملك شيئًا ليخسره لأحد؛ ولا حتى كرامتهُ الشخصيّة.

تقاتل الإثنان بضراوة وكأنَّهُما ثورين في حلبةِ صِراع، أو مُقاتلين الخاسر منهما يموت، أو عدوَّين لدودين بينهما دماء وأرواح... لا شيء من ذلك؛ لكن هكذا بدا الأمر.

كانت تقف إيف مشدوهة وهي تُغطّي فاهها بيدها وعيناها تترغرغ بالدموع، والعجوز يتكئ على العصا، وينتظر أن يفوز ابنه بعدما نَهى رجاله أن يتدخَّلوا إطلاقًا؛ فهذا الرَّجُل المَدعو بويفان لطالما أزعجه، هو الرَّجُل الوحيد الذي لا يعمل تحت سُلطته بين قُرى الشمال أجمع.

إبنه قوي بلا شك، ولكنَّهُ يفتقِد القُدرة على التَّحمُل، ويُريد فوزه مُستعجلًا دون أن يصبر ويقاتل ليناله؛ وهذا على العكس من ويفان، الذي كلما تلقى ضربة تحمَّل ألمها وكابر حتى قدر أن يسُدَّها.

صرخ ايشينغ بغضب، فويفان لا يستسلم ولا يترك ضربة دون أن يسدَّها أقوى، ثم هاجم ويفان ينوي بطحه، لكنَّ ويفان رفعه من خصره وألقاه على الأرض القاسية فصرخ ذاك بألم وأُعلنت النتيجة دون أن يتحدَّث بها أحد.

رمق الزعيم ابنه بغضب ثم أشار لرجاله أن يساعدوه في النهوض ويأخذوه إلى السيارة، وحينما بقيَ وحده مع هذا الشاب الثائر، الذي تتقاطر عن جبهته قطرات العرق وشفتاه تُقطِّر دماءً وجسده مُستنفر، يشهق ويزفُر بغضب وقوّة، إقترب منه بعد ضرب العصا بالأرض عدة مرات، وحينما أصبح قِبالته نبس.

"تعلم أنَّ هذهِ ليست النهاية، صحيح؟"

تبسَّم شدقُ ويفان المُمزَّق ساخرًا، ثم إلتفت يُمسك بيد إيف، وجعلها تدخل البيت أولًا ثم تبعها وأغلق الباب عليها، وترك ذاك العجوز يغلي نارًا وغضبًا في الخارج.

تلفَّتَ العجوز حوله، وإذ بالأهالي ينظرون إليه من شُرفاتهم، ورغم أنَّ وجوههم لا معالم لها، جامدة، لكنَّه سمع وسوساتهم المُتشفيّة به وبابنه في صُدورهم؛ فويفان الرجل الوحيد الذي كسر شوكة كبريائه.

هو رَجُل لا يخاف الموت، فكيف يخاف مندوبًا صغيرًا لديه؟!

...

هدأ الضجيج وكُلٌّ إنصرفَ إلى عمله، وما عاد منزل ويفان مسرح لتسلية الناس، كان ويفان يجلس قُرب النافذة ويُدخِّن سيجارة، لم يأبه بالجروح التي نالت من شفتيه، ولم يهتم إطلاقًا لحالته المُزرية؛ لكن إيف تهتم.

كانت تَظُن في البداية أنَّها بالنِّسبةِ إليهِ عِبئ لن يتمكن من التخلُّص منها طالما هي لا تذهب وحدها دونه؛ فالآن يكاد يَمُر أسبوع مُذُّ بقائها لديه، لكنَّهُ لم يتحدَّث معها ولو لمرة، لم يسألها عن قِصَّتِها، ولا يبدو عليه أدنى درجة من الإهتمام... مُهمِل بها لدرجة لا تُطاق.

لكنَّهُ اليوم أثبتَ لها العكس، أنَّهُ ما كان يتصرَّف على هذا النحو الجاف معها بسببِ أنَّها عليه عِبئ؛ بل لأنَّ هذهِ طبيعته التي لن يتمكَّن من تغييرها بوقتٍ قريب.

بحثت بنفسها عن بعض الأدوات الطبيّة لتداوي جروحه، لكنَّها لم تجد، إتجهت نحو الباب تنوي الخروج، ولكن ويفان حالنا سمع صوت الباب إلتفت ناحيتها ونبس.

"إلى أين؟"

إلتفتت إليه وأجابته، بدى باردًا جافًّا وجامدًا كما لو أنَّهُ جُثَّة تسير، إرتبكت من الهيئة، التي تفتقر إلى الحياة، التي يبدو عليها، ثم أجابته.

"إلى منزل الجدَّة، أحتاج أن أسألها عن شيء، سأعود سريعًا"

أومئ ويفان يأذن لها بالذهاب فخرجت إلى منزل الجدَّة وونغ مُسرِعة؛ ورأت بالفعل الجدَّة تبكي وهي قادمة إلى المنزل بينما تحمل سلَّة من القَش تُغطِّيها بِقُماشة صغيرة.

ركضت إيف إليها والجدَّة وونغ تمسَّكت بكتفي إيف وهي تبكي.

"ابنتي أخبريني، هل ويفان بخير؟"

أومأت لها إيف تُجيب.

"بخير جدتي لا تقلقي، فقط لو لديك شيء أُطيّب به جروحه سأكون مُمتنَّة"

رفعت الجدَّة السلَّة بينهما ونبست.

"هذه تحوي ما يلزم، دعينا نذهب بسرعة، هيا يا ابنتي"

"هيا"

أسرعت إيف تواكب خطوات الجدَّة وونغ، ثم ولجت إلى المنزل من بعدها، والجدَّة وونغ هرعت إلى ويفان، الذي ما زال يجلس في مكانه، وأخذت تُعانقه وتُقبله وبيدها تمسح على وجهه وهي تبكي.

"صغيري لِمَ فعلتَ ذلك؟!

أخبرتُكَ مِرارًا وتِكرارًا أن تتحاشاهم، لم يُسبق لكَ أن تشاجرت معهم هكذا، لِمَ فعلت؟!

تعلم أنَّهم لن يتركوا الأمر يمضي، ما كان عليك التَّهور يا صغيري"

طبطب ويفان على ظهر الجدَّة ونبس.

"أنا بخير يا جدَّتي، لا تقلقي بشأني"

أخذت الجدَّة تمسح على وجنتيه وهمست.

"لِمَ فعلتَ يا بُني؟ لِمَ تشاجرت معهم؟ لو كنتُ أنا هُنا لما سمحتُ لكَ بِمُقاتلتهم!"

تنهد ويفان بغيظ ونبس.

"ماذا كنتِ تتوقَّعي منّي يا جدَّتي؟!

لقد أتوا مخصوصًا ليُقيّموا جمال زوجتي، وخلفيتها العائلية، واسمها، وأمورها جمعاء، هذه زوجتي وأنا لن أسمح لكائنًا من يكون أن يُقلِّل من شأنِها، أو يُهين كرامتها، أو يدوس لها طرفًا طالما أنا حي."

أخفضت إيف رأسها فيما قلبها بين أضلُعها يطرُق كما لو أنَّهُ طَبل، ذلك الكلام الذي سمعته من فاهه للتو أدهشها، وبقدرِ ما أدهشها جعلها تشعر كما لو أنَّ فراشات تُحلِّق في معدتها، لقد كان شعورًا جميلًا للغاية، قلبها مع كل كلمة يتفوه بها كان يطرق أبواب صدرها بقوَّة، وبوِدِّه أن يخرُج من لُبِّ صدرِها.

تبسَّمت فيما تحمل سلَّة الجدَّة وأخفضت رأسها، شتّان بين جاكسون، الذي أراد أن يزوجها ليُهينها، وبين ويفان، الذي إدَّعى أنَّها زوجته ليحميها من كُلِّ مكروه قد يُصيبها.

لقد إكتشفت -ورُبَّما في هذهِ اللحظة تحديدًا- أنَّهُ لا يُعيب الرَّجُل جيبه، بل ما يُعيبه خُلقه لو ساء، وإن حَسُنَ حسَّنه.

لقد إكتشفت للتو أنَّها تستطيع أن تعيش طيلة عُمرِها في ظِل ويفان رُغم صعوبة العيش، ولكنَّها لا تستطيع أن تعيش مع جاكسون مهما كانت حياتها معهُ رغيدة.

الجدَّة حينما تحدَّث ويفان عن مُبرِّره للقتال تنهدت وأومأت، ثم همست.

"صغيري، لم يُسبق لكَ أن دافعتَ عن نفسك حينما يضاقونك أو يعرضونك للذُل والإهانة، أدري أنَّها زوجتك، ويتوجَّب عليكَ حمايتها، ولكن لا تُعرِّضها للخطر بدفاعك الشرس عنها، الآن سيبدون فضول أكثر ناحيته، وسيكون عليك أن تحرص على حمايتها أكثر"

تنهد ويفان وأومئ.

"أعلم يا جدَّتي، وأنا سأحرِص على حمايتها بكل قُدرتي، لن أسمح لأحد أن يأتي بها بأي شكل من الأشكال"

أومأت الجدَّة ثم تبسَّمت فيما تُربِّت على ساق ويفان، ثم نهضت تنوي الخروج لكنَّها توقفت قُرب إيف، التي تستند على الحائط وتنظر ناحية ويفان، ثم همست لها.

"عالجي جروح زوجكِ يا ابنتي"

أومأت إيف والجدَّة غادرت، تحمحمت إيف، ثم إقترب من ويفان، الذي عاد نظرِه نحو النافذة، جلست على طرفِ النافذة فنظر لها، شعرت بالإرتباك رُغم أنَّ نظراتِه هادئة، يدها كانت ترتعش كذلك الكلمات في فمِها.

"أظن أنَّهُ يجب علي تطهير جروحك وإلا إلتهبت وتورَّمت وآلمتك"

لم يَقُل ويفان شيء، وفقط نظر عبر النّافِذة، شعرت إيف بالتَّوتُّر بينما تَضع بعضُ الدواء العُشبي على ورقة الشجر الخضراء هذه.

"أرجو أنَّني أفعلُ ذلك في الطريقة الصحيحة!"

نظر ويفان إلى عملها، لم يُعلِّق وعاد بصره نحو النّافِذة، وبما أنَّهُ لم يُعلِّق فلقد خمَّنت أنَّها تفعل ذلك بالشَّكلِ الصحيح.

رفعت وجهها ناحيته، وبِتوتر رفعت يدها نحو ذقنِه وجعلته ينظر إليها، عقد حاجبيه وهي لم تُعلِّق بشيء، بل فقط وضعت على جروحه من المعجون العُشبي ذلك.

إنكمشت ملامحه بألم كلما لمس طرف أصبعها أحد جروحه، إقتربت منه أكثر وأخذت تنفُخ على جروحه بطريقةٍ لطيفة.

نظر إلى أطراف أصابعها، التي تُداوي جروحه وتلمسه برِفق، فتذكَّر تلك الأنامل التي كان يُقبِّلُها وصاحبتها تبتسم بِخجل.

تنهد يكظم مشاعره وترك تلك الفتاة تُعالِج جروحه، ليس لأنَّهُ يحتاج للمداواة حقًا، بل كي لا تشُعر هذهِ الفتاة بالأستياء أو العِبئ بسببِ جروحه.

إنتهت من تطبيب جروحه، ثم لاحظت أنَّها قريبة منه أكثر من اللازِم، حينها إبتعدت والخجل يخصف بوجهها، لم تَكُ تعلم أنَّها مثل بقيّة الفتيات، يُمكن أن تخجل بسببِ رَجُل.

وما زالت لا تعلم عن نفسها شيء إطلاقًا، ما زالت لا تعلم كيف تكون حينما تُجَن بِحُبِّ أحدهم.

تحمحمت بعدما وضعت السلّة أرضًا، وفيما تلعب بأصابعها في حِجرها همست.

"شُكرًا لكَ، لقد حميتني اليوم بروحك، لم أتلقى بحياتي كُلَّها إهتمام بقدرِ ما نِلتُ مِنك."

تبسَّمت ورفعت وجهها إليه تقول.

"شُكرًا لكَ، أنتَ أفضل شخص ولج حياتي على الإطلاق ويفان"

نظر لها، لأول مرة تقول اسمه، أومئ لها ثم نهض يقول.

"سأُسخِّن لنا الطعام!"

وضعت يدها على ذراعه وقالت تبتسم.

"لا تنهض، سأفعل أنا، لقد علَّمتني الجدَّة بعض الأمور"

أومئ لها فنهضت تضع السلّة على جنب، ثم سخَّنت الطعام لكلاهما، صبَّت الطعام في الأطباق ثم رتبتها على الطاولة.

"هيا، تعال لتناول الطعام"

آتى وجلس قِبالتِها فيما ترمقه إيف بإبتسامة، حسنًا... هو يرى أنَّها تبتسِم له، ولكنَّهُ تصرَّف كما لو أنَّها لا تفعل.

أثناء الوجبة قالت.

"سأذهب لأُعيد للجدَّة السلّة حالما ننتهي، ويتوجَّب علي أن أُرتب أغراضي في مكانٍ ما، ولكنَّني لا أدري أين"

نظر ويفان نحو الأكياس الكثيرة والكبيرة التي تملئ منزله، ثم قال.

"دعي ترتيبهم للغد، سأجد لكِ حلًّا"

"حسنًا"

إنتهى من تناول الطعام ونهض ليقوم بغسل الصحون، لكنَّها قالت.

"سأفعل أنا الآن"

"ارجعي السلّة إلى الجدَّة ونظِّفي الطاولة فقط، سأكون قد إنتهيت"

"حسنًا!"

...

ذهبت إيف إلى منزل الجدَّة فوجدتها تجلِس في رُدهة المنزل تُحيطها الكثير من أعواد من النبات وهي تُنقِّب الورق عنها.

"مرحبًا جدَّتي!"

رفعت الجدَّة رأسها إلى إيف وتبسَّمت.

"أهلًا صغيرتي"

جلست إيف على أوَّلِ درجة وسحبت عِرقًا تُقلِّد الجدَّة، ضحكت الجدَّة حينما رأت إيف تُقلِّدُها.

"كيف الحياة في المدينة؟!"

"تخلو من هذه البساطة، الجار لا يعرف الجار، والأب مُستعد أن يبيع إبنته لأجلِ مصالحه، العلاقات مُعقَّدة مبنيّة على المصالح، والناس يعبدون المال والسُّلطة"

قهقهت الجدَّة ثم قالت.

"لذلك هربتِ من المدينة؟"

تطلَّعت إليها إيف بدهشة وأسقطت العود من يدها، فضحكت الجدَّة تقول.

"لم يقل لي ويفان شيء، يُمكنني أن أعلم وحدي، لو أنَّكِ أتيتِ بِصُحبةِ رَجُل آخر لصدَّقت أنَّكِ زوجة له، ولكن ليس ويفان"

شعرت إيف بالتَّوتر.

"وكيف علمتِ يا جدَّتي؟"

نظرت إليها الجدَّة وهمست.

"لأنَّهُ ويفان يا ابنتي"

عقدت إيف حاجبيها واستنكرت، لا تُنكِر أن الفضول

"ما مُشكلته؟!"

نفت الجدَّة واتبعت.

"لقد عاش مأساة، ولكن لا تسأليني عن تفاصيلها، لا أستطيع أن أبوح بها لكِ!"

تنهدت إيف واتبعت العمل مع الجدَّة، فضولها لا ينفك يزداد بشأنِ ويفان وتفاصيل حياته وماضيه، إنَّهُ رَجُل رائع بِكُل ندوبه.

هل يُمكِن أن يطرق الحُب باب القلب مُذُّ الأسبوع الأول من معرفتِه؟
ربما ليس حُبًّا بل رُبَّما إعجابًا أو حتى فضولًا نحوه.

لكنَّها لا تنفك تُفكِّر به، مُعجبة به على نحوٍ خاص، هو رَجُل رائع رُغم أنَّهُ رفيق الصمت، هو رَجُل رائع رغم أنَّهُ برّي ريفي وأقل من عادي، لكنَّه رغم كل الندوب والعيوب قد صبى تفضيلاتها في الرجال وفاقها، لكنَّها تظن الآن أنَّها بحاجةِ أن تعرفه أكثر، فلكل إنسان جانب سيء... نحنُ لسنا ملائكة.

تمضية الوقت معه ستُعلِّمُها عنه...

عادت إلى المنزل، لكنَّها لم تجده، وضعت فراشها ولبثت فيه، ليس من الجيد أن تقتحم خصوصيته حتى لو كان مقصدها أن تطمئن عليه، ما زالت غريبة عنه وغريب عنها.

في الصباح؛ إستيقظت على رائحة الطعام، فعلمت أنَّ ويفان يطهو الإفطار، نهضت إلى الحمام ووضَّبت فراشها، ثم أتت إليه، كان قد إنتهى ووضع الطعام على الطاولة.

"صباح الخير"

"صباح الخير، هيا تعالي إلى الإفطار"

جلست قِبالته وبدأت بتناول الطعام معه كالعادة، بلا كلام ولا حركة، حالما إنتهى نهض وأعلمها.

"سأغادر الآن للعمل، لا تخرجي إلا لبيت الجدة، ولا تتجاوزي رُدهة المنزل"

"حسنًا"

إرتدى ثيابه وحمل كُراسته وغادر، الآن لديه درس للأطفال في القرية، الآن هو المُعلِّم ويفان.

رتبت المنزل ونظَّفته حسبما علَّمتها الجدَّة، ثم صنعت لنفسها كوب من القهوة وجلست في رُدهة المنزل، لا تملك شيئًا لتفعله وهي لم تعتد على هذه الحياة.

تود أن تجد شيئًا تفعله، لكنَّها لا ترى أي موارد تُناسب رغباتِها في العمل أو هواياتها حتى.

القرية صغيرة ويُمكنها أن ترى كل صغيرة وكبيرة من هنا، تستطيع أن ترى ويفان يضع لوحًا، والأطفال يجلسون أرضًا ويتعلَّمون منه لفظ الأحرف والأحرف في الكلمات.

كانت تُراقبه بإبتسامة، يبدو وسيمًا بقميصه المُقلَّم هذا وبِنطاله فاتح اللون، كان يبتسم للأطفال ويلعب معهم، كما لا يبتسم ولا يبتهج معها أو مع أي أحد آخر سواهم.

الأطفال وحدهم من يدخلون إلى قلبه السرور، لمعت فكرة في ذهنها، ستفعل شيئًا واحد فقط... مُراقبته لتمييز شعورها ناحيته؛ إن كان حُبًّا ستسمح له أن يتطور، وإن كان إعجابًا ستحوله إلى حُب، وإن كان فضولًا سترويه، وذلك فقط لو كان يستحق أن تمنحه شعورها، فلو أحبَّته سيكون أول حُب في حياتها.

كان ويفان يضحك في الجِوار مع الأطفال بينما يُعلِّمهم، لهذا تجد الأطفال يتلهَّفون للدراسة وحِصص الأستاذ المُمتعة.

وبينما ويفان يُداعب أحد الأطفال الصِّغار نظر نحو رُدهةِ منزله فوجدها تتكئ بذقنها على يدها ولا تنشغل بشيء سوى النَّظر إليه، وحتى حينما أتت عينه بعينها لم تخجل وتُزيح عينيها، بل إبتسمت وأمالت رأسها تنظر إليه من زاوية جديدة.

إستغرب ويفان سلوكها، لكنَّهُ لم يُعلِّق، بل عاد لإنشغاله مع الأطفال.

بعد الظهيرة؛ عاد إلى المنزل فوجدها بالداخل، مرَّ بها دون أن ينظر إليها، لكنَّها لم تتوقَّف عن النظرِ إليه، وحينما لحظ ذلك نظر إليها ونبس يرفع حاجبًا مُستنكرًا.

"أبكِ خطب؟"

نفت برأسِها فيما تبتسم، فتنهد ودخل ليُبدِّل ثيابه يتمتم.

"ما بها هذه؟!"

"لم أدري أنّي خفيفة إلى هذا الحد؟!"

همست ثم كمشت كتفيها وقبضتيها إلى صدرها ثم أخذت تضحك وتعافر بقدميها، هل كانت تعاني من حرمان عاطفي حتى تقع لهذا الرَّجُل بِكُلِّ سهولة؟!

قهقهت على سماجة أفكارها ثم انبطحت أرضًا تُعافر بقدميها، ما هذه المشاعر المجنونة التي تُداهمها على حين غرَّة هكذا؟!

خرج ويفان من دورة المياه فيما يرتدي قميص داخلي أسود يظهر ذراعيه ويكشف عنقه وتلك القلادة التي تتدلّى من عليها، بنطال زيتي اللون واسع على ساقيه ويربط على خصره قميصه المُقلَّم، بينما يضع على رأسه قبعة من قش ويرتدي حذاءً عالي العُنق.

"سأذهب إلى الصيد"

تحمحمت حينما أدركت أنَّها تتمعن بهيئته ثم وقفت تومئ.

"حسنًا؛ احرص أن تعود على خير"

أومئ لها وهي تبعته إلى الباب.

ذهب ويفان مع يوك هيي إلى الغابة، يوك هيي فتى صغير بالثانية والعشرين من عمره، ويرى ويفان كقدوة له، فلا أحد يعيش أفضل منه في هذه القُرى رُغم أنَّهُ مُختلف عنهم.

بينما يصعد كلاهما الجبل ويحملان بُندقيتان نبس يوك هيي فيما يبتسم.

"لقد أسمتني السيدة وو لوكاس، لأول مرة في حياتي اسمع بهذا الاسم!"

السيدة وو؟! لم يسمع هذا اللقب مُذُّ زمن طويل، بدى غريبًا على سمعه، أومئ ويفان ونبهه.

"استخدمه بينك وبينها داخل حدود القرية، لو علم الزعيم وابنه أن زوجتي ليست قرويّة سيأذونها"

"اوه! بلا شك أنا لن أُعرِّضُها للأذى!"

ربَّتَ ويفان على كتف لوكاس ونبس.

"أعلم أنَّكَ لن تفعل"

صعد ويفان الهضبة التي إعترضتهم، ثم مدَّ يده للوكاس يُساعده على الصعود معه، صعد لوكاس بعونه ثم سار إلى جوار ويفان وهو ينظر إليه بعين مُعجبة به كأخ له.

"أخي؟"

همهم ويفان فاتبع لوكاس.

"لِمَ تزوجتَ فجأة؟"

نظر إليه ويفان يعقد حاجبيه فتوتر لوكاس وبرَّر بإبتسامة مُحرَجة.

"الأمر أنَّكَ حصلت على عروض زواج كثيرة ولم تقبل، أغلب فتيات القُرى حاولن إغرائكَ هباءً، لقد بدوتَ كما لو أنَّك تعتزل النِّساء، لذا خبر زواجك بدى صادمًا على الجميع"

تنهد ويفان وهمس.

"أحيانًا تحدُث أمور لم تَكُ بالحُسبان تضطرُّكَ أن تفعل شيء لم يَكُ بالحُسبان أيضًا... لم أرغب في الزواج قط؛ لكن هذه الفتاة جعلتني بطريقة ما زوجًا لها"

راقص لوكاس حاجبيه بعبث ونبس.

"هل هناك قصة حُب خلف ذلك؟!"

تبسَّم كريس ونفى برأسِه، ثم حثَّ لوكاس أن يتسلَّق الجِبال معه، وحينما وصلوا قِمَّة الجبل فجأة تساقط رجال كُثُر من على الشجر حتى يحاصرون كلاهما، أمسك ويفان بعضد لوكاس وجعله يقف خلفه، ووقف مُستعدًا لأي هجوم يدفعه للدفاع عن نفسه وعن نفس هذا الصبي الذي وثق به وصعد الجبل معه.

ثم حينما رأى تلك الصبيّة التي أذبلت الدموع عيناها علم ما القصّة.

"سمعتُ أنَّكَ تزوجت؟ هل هذا صحيح يا ويفان؟!"

........................

يُتبَع...

"فضول، إعجاب، أم حُب؟"

"العندليب والبريّة|| The Nightingale and the Wild"

24th/ July/ 2021

....................................

دمتم سالمين❤
❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤
Love❤


© Mercy Ariana Park,
книга «العندليب والبرّيّة|| The Nightingale and the Wild».
CH6||الكُره وأشياء أُخر
Коментарі