1
2
3
4
5
6
7
6
" انت هربت من الشرطة ازاي في يوم ٢٣ / نوفمبر من السنة دي ؟ "

فجأة وجدت نفسي أَصِرُّ على اسناني بقوة و قد ارتفعت حرارة جسدي و بدأتُ الهث و اصبحت انفاسي متسارعة بينما عيناي قد جحظتا ..

بدأت أشعر بالخوف بحق !

من اين يعرف كل هذا عني ؟!

لا بدّ ان له علاقة بالشرطة !!

" انت .. انت مين ؟! .. ازاي تعرف كل ده عني ؟! "

في اللحظة التي سألته فيها هذا السؤال كنا قد انتهينا اخيرًا الى مطعم هم يا جمل ..

لقد كان جسدي يرتجف ..

ابتسامته التي تلت سؤالي بثت شحنات كهربائية عالية لتسري داخل جسدي و تجعله يهتز اهتزازًا خفيفًا لكنه ملحوظ ..

رافق ابتسامته المخيفة صوته الهادئ و هو يحدثني :

" لقد وصلنا الى المطعم لنتحدث بالداخل ! "

طلب طاولة و من ثم اخبر النادل انني سأجلس معه اليوم ..

بالطبع لا يوجد شيئ مفاجئ في معرفته عن عملي بهذا المكان بعد معرفته بكل ما سبق ..

عقلي كان مشلولًا بطريقة غبية .. هل درس فنون اللعب بالعقل من قبل ؟ .. لا يوجد شك في ذلك ، فقد استطاع فعل ذلك بسهولة و مهارة فائقة دون ان يمر على بالي انه يفعل ..

كنتُ منقادًا خلفه بدون ان يربط اي سلاسل بقدمَيّ ..

جسدي كان مستسلمًا تمامًا حيث انه وهب عقلي الذي يحاول حل لغز هذا الرجل الغامض كل الطاقة التي كانت تحركه ..

جلستُ مقابلًا له على الطاولة الاقرب الى المطبخ و التي تقع ايضًا بقرب النافذة ..

بدأت علامات الحيرة تزداد أكثر من السابق على وجهي عندما وجدتُ انه لم ينبس ببنت شفة حتى بعد مرور عشر دقائق منذ ان جلسنا

نظر الى وجهي ثم ابتسم و كأنه يريد استفزازي ثم تحدث :

" مش هتكلم لحد مايوصل الشخض اللي انا مستنيه "

اومأتُ برأسي في صمت و انتظرتُ حتى شاهدتُ كيانًا منتفخ الجسد يلِجُ الى المطعم ..

فكرة أن يكون هذا المسن له علاقة بأفكاري السابقة عن هذا الشخص لم تطئ عقلي بل لم تمر بجانبه و لو للحظة واحدة ..

هذا الرجل الغامض .. يعرف مصطفى كامل و بالتأكيد يعرف عماد عبد الرحيم أيضًا ..

القى مصطفى كامل السلام ثم جلس و حياني ..

" استاذ مصطفى ممكن اعرف ايه اللي بيحصل هنا ؟! و ايه علاقة حضرتك بالراجل الغريب ده ؟! "

تحدثت بهدوء منفعل عاقدًا حاجبَيّ و نظراتي المتسائلة تريد ان تنهشه او تلتهمه

لو كنتُ اعهد مصطفى كامل بهذه الابتسامة التي ارتسمت على محياه توًا لما شعرتُ بالارتياب و الرهبة عندما رأيتُ هذا الرجل يبتسم بهذه الطريقة ..

في اللحظة التالية خرج الشيف عماد عبد الرحيم من المطبخ ليكون العضو الرابع في هذا الاجتماع العاجل ..

و اخيرًا اكتمل العدد و بدأ الشيف عماد بالحديث

" استاذ اسلام سيد ياسر الشهراني ، خريج كلية آداب قسم انجليزي ، سجين سياسي سابق ، اعتُقِلَ في 1988 و خرج في يوليو 2004

استاذ إسلام .. في اليوم اللي خرجت فيه كنت متوقع تلاقي حد من معارفك ييجي يستقبلك و يرحب بيك و يرجعك بيتك

بس المفاجأة ان انت ما لقيتش حد يرحب بيك و يرجعك بيتك غير مجرد سوّاء عربية نقل طيب حن قلبه ليك ..

بس اللي هيفاجأك اكتر ان هو قلبه محنش و لا حاجة او حتى لو قلبه حن ..

مش هو ده السبب اللي انقذك علشانه ..

كان في سبب تاني ..

مصطفى كامل عرف منين ان الشرطة جيالك ؟ و لحق امتى يكلمني ؟

استاذ اسلام .. احنا كنا عارفين عنك من وقت طويل جداً ..

هتسأل من امتى ؟
هنقولك من وقت طويل جدًا
من امتى يعني ؟
هقولك من وقت طويل ..
من قبل ما تخرج من السجن ..
من قبل ما تخش السجن ..
من قبل ما تخش الكلية !

من قبل ما .. تتولد !

مين دول ؟

يعرفوني منين ؟

يعرفوا اهلي طيب ؟

طب اهلي ما قالوليش عليهم ليه ؟

بيساعدوني ليه ؟

كل دي اسئلة اكيد بتدور في دماغك ..

و كل دي اسئلة هنجاوبك عليها ، بس شرط واحد ..

انضم لينا ! "

شعرتُ بحنقٍ شديد و تمنيتُ حقًا لو تدربتُ على الملاكمة في صغري فأستطيع ان اسدد الى وجهيهما ضرباتٍ موجعة حدَّ الموت ..

لقد خدعاني !

هكذا اتخذت ضربات الصوت هي البديل ..

" انتوا بتقولوا ايه ! حتى انا معرفش انتوا مين من الأساس و لا اعرف عنكوا حاجة !
و خدعتوني !
و انا ايش عرفني انتوا عصابة ايه و لا نشاطكم ايه !
اكيد بتخدعوا بقيت البشر بطيبتكم و وشوشكم الطيبة دي !

و دقنك الكبير ده يا استاذ عماد انت و الراجل الغريب صاحبكم ده ! "

" طب اهدى يا اسلام ! احنا هنقولك كل حاجة دلوقتي بس اهدى ! و بعدين احنا معملنالكش حاجة وحشة يعني يا اسلام ! احنا عملنا معاك كل خير ! اهدى بس شوية و انت هتفهم كل حاجة !"

قام مصطفى كامل من كرسيه و وضع يده على كتفي محاولًا تهدئتي

لقد غطى صوتي في المكان على كل شيئ تقريبًا ، فقد كان ذلك تعبيرًا عن كل شيئِ فكرتُ به او شككتُ به في الأيام السابقة ، و رد فعلي بعد اكتشافي لخدعتهم ، ربما لم يريدوا ان يسمع احد ، لكن غباءهم هو السبب فالبتأكيد كان يجب عليهم توقع رد فعلي ..

جلستُ مرة اخرى فوق الكرسي فقد كنت قد وقفتُ متصلبًا و انا اصرخ فاقدًا اعصابي بعد ان تشنجت تلك الاعصاب الى ابعد الحدود

تنفستُ الصعداء ثم نظرت اليهم بالوجه الذي نتج عن محاولتي الفاشلة في تصنع الهدوء قائلاً :

" اتفضلوا ! "

و أخيراً قد بدأ الرجل المسن يتحدث :

" في البداية كدة ، تعرف ان انا مكنتش هموت بجد و العربية اللي كانت هتخبطني كانت تبعي بس كنت عاوز مقابلتي بيك تبقى غير اعتيادية ؟ "

" اه ما هو اكيد حضرتك ! بس يا ترى مفكرتش ان انا ممكن اخش المستشفى و انا بحاول انقذ حضرتك ! "

تحدثت قاضمًا شفتَيَّ ناظرًا اليه بحنق محاولًا السيطرة على غضبي

" اكيد يا حبيبي مكانش هيحصل حاجة زي كدة لان السوَّاء كان هيوقف العربية قبل ما يحصل "

" تمام ! اتفضل ! "

تحدثت و نفس نظرات عيني لا تزال موجودة

اسند مرفقيه الى الطاولة ثم قام بشبك اصابعه ليسند ذقنه فوقها و يوجه نظره الي مبتسمًا ثم يبدأ :

" هقولك ببساطة احنا نكون مين ..

احنا مجموعة من الناس .. او الأحسن اني اقول تنظيم ..

التنظيم بتاعنا ده تنظيم سري موجود من زمان اوي تقدر تقول من ايام محمد علي ، و الكلام ده بالفعل ميتصدقش بس هو حقيقي بالفعل !

هدفنا هو دعم الشعب و مساعدته بكل الطرق او اي حد بيدعم الشعب او اي ملك او رئيس عينه عالشعب بس من بعيد

هتقول طب ليه انتوا في الضلمة اما انتوا كويسين ؟!

هقولك ببساطة ان احنا مش عاوزين حد يعرف مجهودنا في فيحبونا فنتغر في نفسنا و نفكر في الحكم

اجابة غريبة بس ده اللي احنا مؤمنين بيه ..

انا اسمي أسامة الديباوي و انا القائد الحالي للتنظيم ده ..

الكتاب اللي معاك ده عبارة عن بطاقة دخول او رقم واحد من التنظيم بتاعنا .. بس الراجل ده دلوقتي شهيد من الشهداء ..

المهم ، دلوقتي احنا مترددين في عزل مبارك و لكن احنا مش هنتحرك الا لما الشعب يدي كلمته ..

و دلوقتي بنطلب منك تنضم لينا

ايه رأيك يا استاذ اسلام ؟

بالمناسبة متفكرش ان انت عارف السبب الحقيقي ورا سجنك !

في سبب خفي تاني انت متعرفهوش !

خد وقتك مش هنجبرك على حاجة " 

وجهتُ نظري نحو الأرض افكر في كلمات الجالس امامي ذو الشعيرات البيضاء ..

سببٌ خفِيّ ما الذي يتحدث عنه ؟

لقد علمتُ بالفعلِ انني قد سجنتُ ظلمًا لكن لم افكر انه قد يوجد سبب حقيقي يجعلهم يضعونني في السجن لمدة ستة عشر عامًا ..

اذا كان كلام هذا الرجل صدقًا فما الذي سيدفعه لطلب الانضمام مني انا بالذات ؟

هل يريد استغلال كراهيتي للحكومة ؟

رفعتُ نظري اليه مرة اخرى ثم سألته :

" طيب لو كان كلامك صح و هدفكم و نبيل و كل ده انا مصدقه ، ايه اللي يخليك تختارني انا بالذات و تحب تضمني انا بالذات ليكم ؟! "

أخرج بعض الرياح عبر ثفره ليفرغ ثقل رئتيه ثم تحدث :

" هذا امرٌ لا يجب ان تعلمه الآن ! "

إذًا هكذا الامر لا يريد ان يخبرني بالحقيقة كاملة و ان كان ما قاله حقٌ من الأساس ..

" تمام ! هبقى افكر في الموضوع بعد ما حضرتك تفهمني كل حاجة ! سلام ! "

تحدثت بهدوء بعد ان تركتُ مقعدي و وليتهم ظهري و اتجهتُ نحو بوابة المطعم بينما ارفع كفي الايسر لألقي على من خلفي السلام

•••

كنتُ اجلس فوق ارضية الغرفة امام تلفازي اتنقل بين القنوات بينما اتوقف تقريباً عند كل قناة  لعدة دقائق تكفي لانبهر بها و بهذا الصندوق الكبير الذي يريني مناطق مختلفة من العالم بدون ان اتحرك من مكاني و انا لازلتُ غير مصدق انتي اشتريتُ هذا التلفاز الجديد بالأمس ..

لكن الوقت الذي توقفت به لاجل قناة الاخبار كان اكبر من بقية القنوات

حيث شاهدتُ ما ذكرني بما حدث منذ شهر ..

ذلك الرجل « اسامة الديباوي » و الشيف عماد و مصطفى كامل و تنظيمهم السري ..

بعد ان تركتهم في المطعم لم تطأ قدمي ذلك المطعم مرة اخرى ، رغم انني لم اكمل الشهر الثاني لي الا انني تركتُ نقودي و قررتُ البحث عن عملٍ آخر و لحسن الحظ لقد كنت ادخر بعض النقود و قد كانت كافية لي لكي اعيش ريثما اسىتلم راتبي في عملي الآخر و لو كان هذا صعبًا .. لكني عشت ..

لكن منذ أربعة ايام جاء الشيف عماد الى المكان الذي اعمل به و سلمني المال جزاء عملي لجزء من الشهر .. انهم لا يحبون سوى الامانة و يبدو انهم شرفاء لكن ربما ظنوا اني سأعود الى المطعم لكي اطالب بمالي لكني لم افعل لذلك تأخروا ، و بهذا المال استطعتُ شراء هذا التلفاز الرائع !

انه يعجبني بحق ..

كان في منزل والدتي واحد لكنه كان بالابيض والاسود اما هذا فهو رائع للغاية !

ان الصور به ملونة !!

كان صوت المذيعة في قناة الأخبار يقول :

" و مرة أخرى من آلاف المرات يصل رجال الإطفاء الى المكان المنشود و لكنهم يفاجئون بأنه لا مكان لعملهم في هذا المكان و لكن الامر مختلف هذه المرة ..

حيث ان الحريق لم يكن ملفقًا كما تتوقعون اعزائي المشاهدين  ..

و لكن رجال الإطفاء قد فوجئوا عندما وجدوا الحريق قد تم الانتهاء منه تمامًا ..

كان الحريق قد اندلع داخل شقة سكنية يوجد بها طفل بعمر السابعة وحيدًا وسط النيران و كان الجميع يقف بالاسفل يترقب برعب ما سيحدث بعد اتصالهم بالاطفاء متسمرين في اماكنهم غير قادرين على فعل شيئ ..

و لكن الجميع قد تفاجئ عندما رأوا رجلًا صاحب بنية ضخمة و لحية متوسطة الطول يقتحم النيران و يهرع الى الطفل لينتشله من خوفه وسط النيران و ينقذه من الموت اختناقًا او احتراقًا في اللحظة الأخيرة و يخرج به الى حيث الامان ، بينما كان قد تبع الرجل مجموعة من الرجال يرتدون بِذَّاتٍ واقية و اقنعة اوكسيجين قد هرعوا لاطفاء النيران ..

للأسف لم نكن قادرين على إجراء مقابلة مع الابطال ، و لكن احد الاشخاص قد قام بالتقاط صورة للبطل الذي انقذ الطفل و سيتم عرضها الآن .. "

ظهرت امامي على التلفاز صورة الشيف عماد مشوشة بينما يحمل طفلًا صغيرًا و وجه الشيف مليئ بالحروق ..

ظللتُ واقفًا امام التلفاز احدق به لعدة ثواني ثم ارتديتُ ملابسي و خرجتُ مسرعًا ..

أردتُ ان اعلم ما هي الحقيقة ..

من هم هؤلاء الأشخاص ؟

هل حقًا هدفهم الوحيد هو مساعدة الناس ؟

لقد رأيتُ الدليل على كلامهم بأم عيني ، و لكن هل هذا هو السبب الوحيد ؟

اتجهتُ نحو المكتبة العامة و طلبتُ كتابًا يتحدث عن الأبطال المشابهون للرجل الذي انقذ الطفل من الحريق في مصر ..

فتحتُ الكتاب و بدأتُ اقلب صفحاته واحدة تلو الأخرى

كنت استمر في ايجاد صور و مقالات عن اشخاص غريبين ينقذون الناس من الحوادث و من ثم يختفون و لا يدعون وقتًا للصحفيين الجائعين للأخبار ..

و لكني توقفتُ لمدة طويلة عند رجلٍ ما ..

هذا الرجل يشبه اسامة الديباوي كثيرًا لكنه اصغر و الاسم مختلف و ايضًا كتب هنا انه فقد في النهر و عد متوفيًا ..

" محمود محمد عمر !

ابويا !! "

يتبع


•••

رأيكم في اسامة الديباوي ؟

رأيكم في التنظيم ؟

ايه السبب الحقيقي ورا سجن اسلام ؟

ابويا ؟

عاوزة اخد إجازة اسبوع و ارجعلكم ..

© Rofaida Elesely,
книга «السجين».
Коментарі