1
2
3
4
5
6
7
1

" يا ريت تمشي و ما ترجعش تاني ! "

" ها .. شكرًأ ! "

اشرق الصباح الأول لي خارج السجن

صباح امل لم يتزين بزقزقة العصافير

بل تطوق بشمس الصحراء الحارقة أمام سجن وادي النطرون

فقط كنت اريد الحياة ..

لكن يا ترى هل الحياة خارج السجن مختلفة عن داخله .. ؟

عشت آلامًا كثيرة ..

ما هذا ؟

نظرت إلى الأعلى بعد أن لامست بعض قطرات المياة وجهي

مياه المطر ..

نزل المطر بدون أية مقدمات

هل تبكي السماء لحالي ؟

" الاسم : إسلام سيد ياسر الشهراني
المؤهل : بكالوريوس اداب قسم لغة إنجليزية
العمر : ثمانية و ثلاثين سنة
مسجون سياسي سابق .. ضيعوا زهرة عمري في السجن .. لذنبٍ معملتوش ...
دخلت السجن في 1988
خرجت منه في 2004 "

اعتقد ان اتجاهي هو منزل عائلتي .. اشتقت الى امي

لكن لما .. لم يأتِ أخواني لاستقبالي ؟ .. هل ظنوا أنه يومًا اخر ؟ ام ... بالتأكيد سيأتون بعد قليل ..

لا بأس فقط علي انتظار الاصدقاء .. لكي يأخذوني الى منزلي

لقد مر وقت طويل ..

منذ أن ..

رأيت كم هو واسع ذلك العالم ..

.
.
.
.

لقد مر وقت طويل ..

المطر قد توقف ..

اصدقائي لم يأتوا ..

أنا في وسط الصحراء ..

انها نحو أكثر من ساعة

إخوتي لم يأتوا ..

يا لها من سخرية !

يا الهي ساعدني !

.
.
.
.
.
.

بعد مرور مدة من الزمن و اقتراب الغروب

لقد وجدت الحل ..

سأنتظر اي سيارة متجهة إلى داخل القاهرة .. لأعود ..

يجب علي أن أذهب إلى أقرب استراحة لأقف بجوارها كي تراني السيارات

انتظرت قليلاً حتى ظهرت سيارة كبيرة اخيرًا

" يا استاذ .. لو سمحت .. عاوز ارجع القاهرة  و معيش جنيه واحد ممكن لو سمحت تاخدني معاك ؟ "

قلت منحنيًا الى شباك السائق

" و انت منين بقا ان شاء الله ؟ و بتعمل ايه هنا ؟ انت شحات ؟!! ابعد عني "

" يا استاذ انا خرجت من السجن انهاردة ! "

قلت مبتسمًا ابتسامة تتألم تظهر كل ما قد عانيته و قد اخذت نفسًا عميقًا متنهدًا بعمق .

" بتقول مسجون و جي تكلمني ! امشي من قدامي ! مش عاوز مشاكل ! امشي !! "

صرخ الرجل بي .. العالم قاسٍ حقًا

ابتسمت ابتسامة مصطنعة ناظرًا إليه بألم

" مفيش مشكلة يا استاذ شكراً لحضرتك ! "

مر وقت طويل علي و نفس السيناريو يظل يعيد و يكرر نفسه ..

يا لها من حياة بائسة و يا للبشر من كائنات سحيقة ..

كلٌ منهم لديه اكثر من وجه في الحياة .. ، فلتجرب حظك مع مخلوق منهم و لترى اي وجه سيَظهر لك ..

ذاك الوجه العذب البريئ الذي (( يشع ضوئا و يملئ الدنيا سلامًا )) وجه الملاك ..

ام ذاك الوجه البشع الاسود .. المتشائم الذي يملئ الحياة شؤمًا و ظلامًا .. وجه الشيطان .. لن تشعر بالراحة معه ستشعر بالضيق و الصداع فهو مخلوق من نار و يشع حرارة .

و لتحذر ايهما ستكتشف اولًا !

ربما السجن كان افضل ..

كانت زنزانتي مؤنسة بأشحاص لطفاء ..

ساعدني يا الهي !

ارجوك أنا رجل صالح !

بارٌ بوالديَّ

لم اقترف ذنبًا بحق

لدي أصفى النيات ..

" بسسس ! انتَ ! انتَ ! "

كان الصوت قادمًا من أمام الاستراحة مباشرةً و تحديدًا من رجل نزل من شاحنة كبيرة لنقل البضائع

" أنا ! "

" أيوة انت ! انت بتعمل ايه هنا لوحدك ؟ .. مش هتلاقي حد هنا تشحت منه ! "

" حضرتك انا مش شحات ! "

" يبقى اتسرقت او حاجة زي كدة ؟ "

" أنا معيش فلوس ارجع بيها القاهرة ممكن حضرتك توصلني لو سمحت ؟ "

" يبقى اتسرقت ! طبعًا عربيتي بترحب باجر ربنا ! "

هل سيغير موقفه ان أخبرته اني سجين سابق ؟

يبدو رجلًا طيبًا

لكن علي أن لا اخاطر !

" شكرًا لحضرتك أنت بجد راجل عظيم ! "


•••


في الليل الهادئ تنام غالبية مخلوقات الأرض .. ذلك الليل الاسود الذي يشعرك بالنعاس لكنه يبقى ساهرًا فقط لأجل راحتنا ..

جميع المخلوقات دخلت في سباتها المؤقت عدا شاحنة نقل على الطريق الصحراوي متجهة إلى داخل القاهرة يجلس بداخلها سجين سابق و رجل طيب

" حضرتك بقى منين ؟ ! "

تحدث الرجل معبرًا عن فضوله البشري الطبيعي أثناء قيامه بقيادة الشاحنة

إنه رجل جيد .. لكني متعب .. متعب للغاية ..

" أنا .. من المطرية ! "

تحدثت موجزًا ريثما احاول التفكير في قصة احكيها ففي نهاية الأمر انا حقًا اشتاق إلى الراحة لا اريد من هذا الرجل الإلقاء بي خارجًا .. حيث سيكون مصيري الموت أما بردًا أو جوعًا .. أو ربما قاطع طريق سيحاول سلبي لكنه لن يجد ما يسلبه لذا سيسلب روحي ، أو حيوان بري يتخذني وجبة عشاء له ..

" خلينا نتسلى في الطريق و احكيلي قصتك ! "

أنا لا اجد ما اقول .. لست معتادًا على الكذب

بدأ صمتي يقلق الرجل

لكن امي دائماً كانت تنصحني قائلة : « الصدق منجاة » ..

" حضرتك اسمعني ! ايه اللي هيحصل لو قولتلك ؟ انا عاوز ارجع البيت ! حضرتك هتكمل جميلك ؟"

ضيق الرجل عينيه و اتخذ نظرة جانبية الى صديقنا إسلام تدل على الشك ..

لكنه سرعان ما ابتسم قائلاً : "  انا مش حاسس انك راجل وحش قلي قصتك و اوعدك اني هرجعك بيتك بامان ! "

" اسمي هو إسلام سيد ، خريج كلية آداب لغة إنجليزية جامعة عين شمس

كان عندي شوية صحاب  من الجامعة و دول كانوا ناس متدينة بحق ربنا ، و كانوا ناس كويسين و انا فعلا حبتهم اوي ، لكن للأسف كانت صحبتهم نذير سوءٍ بالنسبالي

لما تخرجت اتعينت زي اي خريج بسبب ان هم كانوا محتاجين مدرسين

حصل كدة بعد التعيين بوقت قصير ..

كان اول يوم من رمضان سنة 1988 ميلاديًا ، و صحابي كانوا عازمني على فطار عملوها في المسجد ..

اليوم كان جميل و ضكنا كتير و فرحنا ..

بس لما طلعت من المسجد ..

حصل اللي شقلب حياتي و خلى راسها تحت و رجلها فوق .. "

صمتُّ هنهيهة لاتناول أنفاسي فقط ..

ثم ما لبثت أن أكملت

" قبضوا علبنا كلنا و اترمينا في السجن من غير محاكمة

  فحسب قانون الطوارئ لسنة 1981 من حق الشرطة انها تقبض على اي حد تشتبه فيه و ليها الحق في ان هي تعمل اللي هي عاوزاه فيه من ضرب و تعذيب و إهانة و ما لا يعد و لا يحصى

و كل ده من غير حتى محاكمة

اخدوني من غير اي سبب واضح

ظلم بس من غير اي ذنب

.و انا طلعت انهاردة و كنت فاكر اني هلاقي صحابي او اخواتي مستنيني بس لنا ما لقتش حد غير الهوا  .. "

أكملت له كل ما حدث ثم أنهيت كلماتي بأن سألته أن كان سيلقيني خارجًا ..

" ارميك برة مين ؟ في المشمش ان شاء الله ! انت جعان يا استاذ إسلام ؟ اكيد ماكلتش حاجة من الصبح ! "

هذا الرجل رجل طيب

الحمد لله يا ربي

ابتسمت ثم حركت رأسي علامة على الموافقة ثم قمت بشكر الرجل الذي اخرج ثلاث شطائر فقام بإعطائي اثنتان و أخذ واحدة

" لا لا حضرتك واحد بس يكفيني  ! "

" لا يا عم انت مكلتش حاجة من الصبح خد بس و متتكسفش و اعتبرني اخوك الكبير ! "

تحدث الرجل معاتبًا إياي

إنه الايثار كما كانت تقول امي ..

" صح حضرتك أنا معرفتش اسمك ! "

تكلمت مستفسرًا بينما امضغ قضمتي الأولى ..

" انا اسمي مصطفى ! مصطفى كامل ! "

" مصطفى كامل ! بجد ! انا مش مصدق نفسي انا قاعد في عربية مصطفى كامل "

ضحكت في صمت 

•••

" سلام عليكم يا اسلام يا ريت تتصل بيا الصبح عشان تطمني ! "

" و عليكم السلام يا استاذ مصطفى ! "

رجل رائع حقًا ! شكرًا لك يا ربي !

ماذا عن هذا الشخص ؟ هل هو منهم الذين لديهم اكثر من وجه ؟ ام ليس لديه سوى وجه الملاك ؟ ..

وصلت اخيرًا الى حارتي الفقيرة المتواضعة ..

لقد اشتقت اليكِ .. اشتقت اليكِ ايتها الأرض التي اينعتني

يا من شاركتي ابواي في تربيتي ..

هنا داست قدماي يومًا أنا و اقراني وسط لعب لعبة الحجلة ..

لعبة أطفال الحارة ..

هنا كانت تخرج امي من النافذة و تناديني باسمي لتناول الطعام ..

في تلك البقعة بكيت يومًا اثر جرح ساقي أثناء لعب الكرة ..

هنا بكيت ، هنا ضحكت ..

هنا ابتسمت ، هنا عبست ..

هنا عشت حياتي ..

ظللت اتذكر كل ذكريات حارَة الماضي متجهًا الى بيتي ..

دخلت البوابة ثم صعدت الدرج ..

ها هو !

ها هو باب الشقة التي نؤجر غرفة بها اما ملاك الغرفة الاخرى فهم لا يزورونها و قد تركوها للذباب !

منزلي العزيز !

بدأت اطرق الباب بهدوء

بالتأكيد شقيقي ياسر بالداخل

لكن لا أحد يجيب ..

انتقلت من الطرق الهادئ الى الطرق الشديد و من الشديد الى العنيف .. لكن لا أحد ..

ما هذا ألا يوجد احد هنا ؟

" راحوا فين ؟! "

همست بصوت خفيض غير مصدق لما يحدث ..

لكن عندما شارفت على الاستسلام و اسندت ظهري الى الحائط بجانب الباب بعد أن خارت قواي ..

سمعت صوت الباب يتحرك ..

" مين ؟! تيتة نايمة ! "

من هذه ؟

سمع صوت ناعس لطفلة يبدو أنها لم تتجاوز الثامنة من عمرها

" انتي اسمك ابه يا عسل؟ "

سألت الطفلة بهدف معرفة هويتها ..

" أنا .. أنا انچي ! انچي ياسر .. و انت مين ! "

إذًا ابنة اخي ! انا حقًا لم أعلم أنه تزوج .. ، لم أعلم أنه أصبح لديه ابنة !

تحدثت الطفلة في مرح

" أنا اسلام يا حبيبتي ! قولي لجدتكِ كدة "

" دلوقتي ! بس تيتة نايمة ! "

" قوليلها بس ! دي حاجه مهمة اوي ! قوليلها ان انا رجعت ! "

سمعت صوت خطوات الطفلة المسرعة نحو جدتها العجوز المستلقية غير قادرة على الحراك لا حول لها و لا قوة فوق تلك الاريكة البالية المهترئة ، و ذهبت بهدف تنفيذ ما طلبه منها الضيف

" تيتة !! تيتة ! يلا اصحي !! "

تأوهت المرأة المستلقية بجسد ساكن غير قادر على التحرك معبرًا عن ألمه فوق مضجعها ..

لكن الطفلة لم تستسلم بل عاودت المحاولة باغية اسعاد الضيف فقد علمتها جدتها اكرام الضيف و عدم رد له طلب

" تيتة !! تيتة ! في راجل عند الباب عاوزك بيقول ان اسمه اسلام  ! "

بُث سكون خفيف لوهلة بداخل جدران الغرفة الضيقة قبل أن ينطلق صوت المرأة العجوز الواهن ينادي بصوتٍ قد طغى عليه اليأس الا من ذرات قليلة من الامل قد تخللت القلب الذي قد بثها في الكلمات ..

الأمل في أن يرُدِ المُنادى ..

جمعت كل ما تبقى من قوة في ذلك الجسد لتطلقه في ذلك الصوت الواهن منادية إياه ..

" إسلام ! .. ابني ! ابني رجع ! "

تجمعت كثير من عبراتها تحت مقلتيها حتى لم تعُد عينيها قادرة على حملها لتنذرف دموعها على خديها المترهلان ذوَي التجاعيد صارخة بصوتٍ اعلى ..

"  ابني رجع ! رجع ! افتحي يا انجي ! "

انطلقت الفتاة الصغيرة ذات الضفائر باغية تنفيذ ما طلبته المرأة العجوز في انصياع تام لجدتها..

وضعت ذلك الكرسي الصغير بجانب الباب حيث طولها وحيدًا لا يفي بالغرض

وقفت عليه و سحبت ترباس الباب الى الأسفل مسرعة بينما تسمع دقات قلب الواقف في الناحية المقابلة ، قلبه ذاك الذي كان يضخ دماء حارة كالحديد المنصهر ..

فتح الباب أخيرًا ..

ابتسمت ابتسامة رضا و انا اشعر في هذه اللحظة أن كل الامي قد نما لها أجنحة و طارت بعيدًا و تركتني ..

لكن الان ليس هو وقت تذكر الذكريات و النظر إلى الغرفة الضيقة التي نشأت بها ، إنه فقط وقت الارتماء في احضان الوالدة بعد ستة عشر عامًا من الغربة عن الوطن

انطلقت قدماي و قلبي يسابقها الى وطنه الذي سيستنشق عطره مرة أخرى بعد طول انتظار  ..

لم اكن لاتحدث ابدا كان هذا العناق الدافئ خيرٌ من بحر كلمات ..

" يا اما ! "

هذه الكلمة لم انادي احدًا بها منذ زمن طويل ..

فقط شعرت بالراحة لقولها ..

وقفت الطفلة انجي تشاهد ذلك الرجل الشامخ يركع على الأرض و يضم المرأة العجوز بقوة و حنو بآنٍ واحد و قد اختلطت الدموع المشتاقة ..

وقفت تراقب ذلك المشهد الذي داعب دمعاتها دون أن تشعر مشدوهة غير مستوعبة لأي مما يجري ..

•••

© Rofaida Elesely,
книга «السجين».
Коментарі