الذكرى الأولى
الذكرى الثانية
الذكرى الثالثة
الذكرى الرابعة
الذكرى الخامسة
الذكرى السادسة
الذكرى الأخيرة
الذكرى الثالثة
-

بداخل كل منا جزء سئ يُحاول أخفائه عن الجميع. جزء مُظلم، كئيب وقاسٍ. لم تكن كايت تمتلک ذلک الجُزء فقط، بل كانت ممتلئة بالعتمة. كانت تفتقد إلى ذلک النور الذى سيقوم بتغيير حياتها، لكن..
فى كل مرة كان يزداد بداخلها ذلک الجزء حتى أصبح يكسو روحها، ملابسها وملامح وجهها.
تمنت كايت أن يظهر شخصُ واحدُ فقط، ليقوم بإنتشالها من تلک العتمة. لكن ليس كل ما يتمنه المرء، يحصل عليه. داخلها كان هناک شئ يخبرها بأنها قد وجدته فى ذلک ' المجهول ' لكنها تعود لتصفع نفسها داخلياً وتنكر ذلک. وجوده فى حد ذاته بداخل حياتها كان خطأ منذ البداية، وهى تدفع ثمن ذلک الخطأ الأن.

-

تنهدت كايت ببطء وهى ترتدى معطفها الأسود. خرجت من منزلها ثم ألقت نظرة على السماء. لم تستطع أن ترى السماء لكثرة الغيوم. إبتسمت بسخرية كونها تشعر بـ تلک السماء، فـ كثرة تلک الغيوم قد أخفت جمالها. کذلک الحال معها، فـ كثرة متاعبها فى الحياة قد أفقدتها سعادتها. ألقت تلک الأفكار خارج رأسها لتتجه نحو سيارتها وتصعد فيها بهدوء. نظرت لساعة هاتفها لتجدها الحادية عشر وأربعون دقيقة. أنها نهاية الأسبوع وقد أقترب موعد برنامجها الإذاعى. تحركت بسيارتها ثم أتجهت نحو المبنى الأذاعى.
وصلت كايت بعد مدة من الزمن لم تدركها حتى. ترجلت من سيارتها لتتساقط على وجهها قطرات خفيفة من المطر. قامت بمسح تلک القطرات وهى تبتسم بخفه. على الأقل المطر هو من أحدى الأشياء التى تخفف من حُزنها. دلفت لداخل المبنى وهى تلقى التحية على من تراه بهدوء. الجميع هناک كان يُحب كايت ويُحب أسلوبها السلسل فى حل المشكلات، لكنها لم تكن تلک الفتاة الإجتماعية معهم. دائماً يشعرون بأنها مختلفة عنهم، لا تُحب التحدث كثيراً، هادئة، وخجولة إلى حدٍ ما.
كانت تشعر بهم وبنظراتهم لها، وكانت تعلم جيداً بأن البعض قد يظنها تمتلک شخصيات منفصلة. تنهدت بضيق قبل أن تدلف لغرفة التسجيل. أول من رأته كان ' رومن ' زميلها بالإذاعة وهو المسئول عن المؤثرات وأشياء أخرى لا تفهمها.
ألقت عليه التحية ليبادلها بلطف. أقترب منها وهو ينظر للساعة التى بيده
" أنها الحادية عشر وخمس وخمسون دقيقة. أعددت لکِ كوباً من الشاى وضعته بغرفة التسجيل. "
ألقى رومن كلماته مسرعاً وهو يتفقد ساعته كل لحظة. أومئت له ثم شكرته على كوب الشاى ودلفت لداخل الغرفة.
أرتشفت قليلاً من الشاى قبل أن يبدأ رومن فى العد التنازلى لبدء البث.
" مرحباً أصدقاء الليل خاصتى. كيف حالكم اليوم ؟
أشتقت لكم كثيراً هذا الأسبوع. لقد كان أسبوعاً حافلاً وكنت أنتظر نهايته بفارغ الصبر. ماذا عنكم ؟ "
بدأت كلماتها بتلک العفوية والتى لا تعلم لما لا تظهر إلا هنا مع ' أصدقاء الليل خاصتها '
ربما لأنهم لا يعرفونها حقاً.
نظرت هايت للشاشة أمامها لتستقبل أول رسالة
" حسناً لنبدأ محادثات منتصف الليل. أول رسالة هى من صديقنا كايل.. مرحباً كايل. حسناً كايل يخبرنا ' أعتدت على وجدها فى حياتى. أحببت ذلک الشعور حين أراها. أحببت إبتسامتها التى كانت تشعرنى بالراحة بعد يومٍ شاق. أحببتها بجميع حالاتها حتى فى غضبها حين كنت أهزمها فى جميع ألعاب الفيديو. لم أتخيل فكرة أنها قد تبتعد عنى يوماً. كانت أول ما أفكر فيه صباحاً وأخر ما أفكر به ليلاً. أحببتها وأحببت حياتى معها لكن..
فى أحدى الأيام تشاجرت معها. كنت متعب وأشعر بالضيق فى ذلک اليوم. تشاجرت معها بشدة لدرجة أنى لم أشعر بتلک الكلمات وهى تخرج من فمى. كانت كلماتِ قاسية وبسببها قد خسرتها فى ذلک اليوم. خسرت ثقتها بى وخذلتها لترحل وتترکنى وحدى. بعد دقائق تداركت ما قمت بفعله وقمت بالإتصال عليها لكنها لم تجب. ظللت أتصال بها وأرسل لها العديد من الرسائل، لكنها كانت تتجاهلنى. مر شهر منذ ذلک الشجار وأنا لا أعلم كيف أعيدها إلى مجدداً. أشعر بالوحدة والفراغ بدونها. أعلم بأنى أغبى شخص على هذا الكون لكنى أحبها هايت. أريد حل يعيدها إلى مجدداً. '

أنتهت هايت من قرأت الرسالة لتشرد للحظات. نظرت للرسالة مجدداً قبل أن تفرق شفتيها وتردف
" أنت بالفعل أغبى شخص فى الكون لتقوم بذلک. كيف لک أن تؤذى من تُحب حتى وإن كان بدون عمد. هل تعلم كيف تشعر هى الأن. لقد خُذلت من قبل الشخص الوحيد الذى راهنت على بقائه بجانبها. الشخص الوحيد الذى أحبته بصدق. هى فقط لم تتوقع أن تقوم بذلک فى يوماً ما. بضعة كلمات فقط قد تُدمر حياة شخصٍ بالكامل. لقد خذلتها كايل، لهذا هى لا تُجيب على أتصالاتک ورسائلک. ما قمت بفعله ليس بالشئ الهين، لكن مازال هناک حل. حلک الوحيد كايل هو أن تتحدث معها وجهاً لوجه وليس على الهاتف أو عن طريق الرسائل. يجب أن تخبرها بأنک نادم على ما قلته فى هذا اليوم. يجب أن تخبرها بمشاعرک نحوها. أخبرها بمكنون قلبک، أخبرها بكم أنک مشتاق لها ولا تتركها إلا حين تخبرها بكل تشعر به داخلک. حينها فقط هى من ستقرر أن تبقى معک أو تبتعد عنک كايل. "
شعرت هايت بالضيق يكسو قلبها. شعرت بتلک العصة بداخلها. جاهدت كثيراً كى لا تذرف تلک الدموع. ألتقطت أنفاسها ثم عادت لتركز فى البرنامج مجدداً. حاولت تجاهل تلک الذكريات، لكنها تدفقت واحدة تلو الأخرى. لقد عبث كايل بمشاعرها دون قصد، ليذكرها ' بذلک المجهول ' مجدداً. لا تعلم لما كل مرة تقرأ رسالة من المستمعين، تجعلها تتذكره مراراً وتكراراً. لكن رسالة كايل قد لامست وتراً حساساً بداخلها.
تداركت هايت شرودها، لتكمل باقى الرسائل وهى تشعر بالحُزن وربما.. بعض الإشتياق

-

كانت كايت تجلس أمام منزلها وبين يديها يتوسط كوباً من الشاى الساخن. كانت ترتشف منه بهدوء وعقلها لا يفكر إلا بتلک الرسالة. بطريقة ما كانت تلک الرسالة تشبه نهاية قصتها مع ذلک ' المجهول '
كانت قصة كايل وحبيبته تشبه قصتها مع مجهولها بطريقة ما، لكن بإختلاف بسيط.
تذكرت لحظاتها الأخيرة معه. تذكرت صدمته بعد ما حدث. تذكرت ندمه وحُزنه المستمر بعد رحيلها.
تذكرت ملامح وجهه بعد رحيلها عنه، وكم أصبح حزين، نادم ومُتعب. لكن ولسببٍ مجهول هى رفضت التحدث معه بعد ما حدث. ربما كلماته كانت أقسى مما يتوقع. رغم أن جزء بداخلها مازال يشتاق له إلا أنها تنكر ذلک. تحاول إقناع نفسها بأنها أصبحت تكرهه بعد ما حدث.
تنهدت بضيق حين رن هاتفها للمرة العشرون الليلة وبالطبع كان هو ذلک ' المجهول '
تجاهلت ذلک الإتصال ورفعت رأسها لتتأمل الفراغ، لكنها وجدته. كان يبعد عنها بضعة أمتار فقط. كان يبدو متعباً. حالته لا تدل على أنه بخير. شعره مبعثر، وقد نمت لديه لحيه خفيفة. كان يرتدى معطف أسود اللون يحميه من برودة تلک الليلة. رغم هيئته المزرية ألا أنه مازال وسيم.. هذا ما فكرت به كايت
ظل ينظر إليها مطولاً، أما هى فـ قد تجمدت فى مكانها. فقدت قدرتها على الحركة وحتى على التفكير بمجرد أن رأت تلک العسليتان مجدداً.
حين تقدم خطوة منها، أفاقت مما أصابها وهربت منه کالعادة نحو منزلها. أغلقت الباب بسرعة ثم سقطت ببطء على الأرضية، فـ قدماها لم تعد تستطيع حملها. شعرت بذلک الألم يتسلل لقلبها. رغم أنتهاء كل شئ، إلا أنها مازلت تشعر به. تساقطت دموعها واحدة تلو الأخرى لكونها لا تعلم ماذا تفعل غير ذلک. مرت تلک الليلة بصعوبة، وكالعادة لم تخلو من البكاء، الحُزن والندم..
إن الأمور تُصبح مُعقدة حين يتعلق الأمر بـ الحُب والكبرياء.

© Hate_XJ,
книга «Midnight Conversations _ محادثات منتصف الليل».
الذكرى الرابعة
Коментарі