امتلاك ثم فقدان فعودة.
امتلاك ثم فقدان فعودة.


"تَملَّكتُ النَعيم حينَما إستَشعَرتُ دِفئَك، لَم اعلَم إنَكَ جَحيمي المُنتَظَر!!"

=

'مُنتصف القرن السابِع عَشَر'

في أحد بُقَع بريطانيا التي إافترشت أراضيها خُضرة النباتات ٥:٣٠ صَ.

_

"أنت يجب عليك الذهاب بعيداً!!"
هو تلفت حوله بقلق مُمسكا أطراف الهزيل أمامه، نطق بنبرةٍ باهتة وقلبه يحترق قلقاً وشوقاً قبل الغياب!!.

"لكنني لا اريد الذهاب بعيداً عنك!!"
مُناقضه بالهيئةِ تحدث بأنكسار، عيناه تحترق بغية ترطيب سطوحها بالدموع التي أبى الشاب أنزاله فهو لا يملك الوقت لذاك.. هو يخشى إنه آخر تأمل لخليله القلق أمامه.

" بلى بيكهيون!! أنت لن تبقى هنا ولا حتى ثانية أخرى أنا لا اريد فقدانك أوهل تفهم؟!!"
رخيم الصوت تحدث مُحاوطاً وجه من يأبى المغادرة.

" لكنك لن تكون هناك، أنا لن أراك "
مناقضه بنبرة صوته التي تصدعت أثر الحزن والخيبة أستطرد رافضاً الأمتثال وتلبية قوله.

" البقاء تحت السماء ذاتها، إستنشاق النسيم الخانق في بعدك أفضل من فقدانك للأبد ..انت تعرف هذا، اولسَت؟! "

بدى يائساً لِقُربه بينما ينطق بتلك الكلمات التي ألهبت جوفه، أن يكون مُتخبطا في بحر السَّواد هذا .. أن يكون في زمنٍ ليس له، أن يعيش حياةً لن تتلائم مع مكنوناتِ نفسه.. جُل هذه الأثقال ألهبت عقله وخافقه .. ليس الفراق هو ما يرغب به تجاه خليله!! ليس الجاه الذي يبعده عن رفيق روحه ومالكها.

" ليست بسماء في فراقك ولا هواء ينعش رئتاي اليائستين لعطرك"

ايماءاتٍ رافضة منتفضة هي ما أبداها الهزيل، دافعاً ذاته في جسد مالك مشاعره هو تحدث مُحتضناً أياه.
هو قد خَمَن هيئة عالمه بعد أن يدركهما الفُراق هذه السوداوية التي تحيطه ستتضاعف للمئات وقياساً بأختلاحات نفسه المضطربة بات موقناً إن ما ينتظره أشد.

" الارض ستدركها الدماء حبيب، لا أريد لقذارتها ان تُدَنِسَ طُهرك"
محاولة في ردع هزيل الهيئة زُمردي الحدقتان اللتان تذهبان عقله هو تحدث بما سَلَف.

" لكنها ستدنسك!! هم يعلمون بشأننا لما لا نذهب فقط!! أنا وأنت فقط لن يعلموا بشأننا إن لم نبقى هُنا "
يداه الصغيرتان حاوطتا يدان تناقضانها حجماً، هو بيأس تحدث بتلك الكلمات علها تنتشله وحُبه الآثم لحيث النعيم الخاص بهما.

لطالما تغَّنى الشعراء والموسيقيين بطرب الحب، مشاعره المُرهِقة للخافق والمنعشةُ إياه في وقتِ واحد.. تقبل الجميع الحُب بأنواعه أصَعبٌ عليهم تقبل الصغير و حُبه؟!.

الحب الصادق ما سعى له الجميع و تغَّنى، لما يُقابل حبه الصادق بنعوتٍ تنسبه لتلك الذنوب؟! أوليس الرب هو من أكرمه به؟ أوليست اجراس الكنيسة قُرِعت حين رؤياه؟! أهو مُخطئ حين أعتبرها مباركة من الرب لقلبه الذي فاض عشقاً بغتةً؟.



_

' عودة الى الماضي؛ حيث كنيسة تلونت زجاجاتِ نوافذها بألوان الربيع وغلفها دفئ شموع الأدعية والترانيم المُناجية للرب'.

هزيلٌ كان يُوقِدُ شموع صلواته ، ضاماً كفيه الناصعتين نحو بعضهما مُصلياً للرب غفران أخطائه ومُباركة حياته.
هو تمتم ب 'آمي ' مُتأملة مُباركة الرب ليبتسم نحو القِسأو الأب في الكنيسة الذي قابله بكفه التي بُسِطَت أعلى رأسه مُناجية الرب أن يبارك الفتى اليافع أمامه ويتقبل صلواته.

هو كاد يخرج بهدوء وخلسة كما الجميع، الجميع يفعل في زمن طغت به السلطات لتُزهق ارواح مُعتنقي دين المسيحية الكاثوليكية.
خلسة يتسللون لأداء صلواتهم الصادقة تلك كما هو فتانا الذي تزامن إبصاره لمن نافس اللؤلؤ بياض هيئته مع قرع أجراس الكنيسة الخافت خوفاً من إكتشاف مُرتاديها.

هو تجمد لوهلة تاركاً لعينيه الضامئتين فرصة الإرتواء من مظهر الرجل أمامه.
قوبل بذات النظرات ليشيح بصره استحيائاً من نظرات نظيره فاقدة الحياء، هو توجه لمدرج الترانيم متناولاً احد الكتب التي خُطَت عليها حروف ترنيمات تمجيد المسيح والعذراء ماري رغبة في المزيد من تأمل صلوات الفتنة أمامه.

اُفتُتِنَ تماماً بمظهره راجياً أن يواكب قلبه فِتنةِ هيئته، قرر لوهله أن يصلي لأمتلاك الرجل أمامه.. هو بدا يائساً لجذب أنظاره وخجلاً منها حين اغدقه الرجل بما تمنى من نظراتٍ كما لو كان يسكن خاطره و يهوى تحقيق رغباته.

إستمرت قرعات الأجراس حوله و قد راهن الفتى ذاته الهائمة.
' عند القرعه الثانية عشرة سأعلن وقوعي بحبه بمباركة منك إللهي الرحيم '.

جوارحه صلَّت لمرضاة الرب وتحقيق رغبته، مباركة حبه الغريب ذاك.
طلب وكله ذعر من غضب الرب، يَعُد القرعات و عيناه لم تفارقا الهيئة المتضرعه للرب وكم تمنى لو إحتوت صلوات الرجل امامه صيته.

إرتجف خافقه الذي صلَّى لقرعه ثانية عشر قد أدركت أذنيه صداها، ارتجفت اطرافه امتناناً وقد تضرع شاكراً الرب على مباركته حُب ذا القلب الهائم.

هو تسائل كيف يمكن لشخصٍ أن يقع في الحب في ثوانٍ؟! ، كيف ارتجف خافقه وإمتلأت حواسه بفتنة الرجل أمامه بهذه السرعه؟! كيف اعلن قلبه وقوعه عميقاً في جُحر الحب الآثم ذاك؟!.

..

قصير القامة نسبة لفاتنه، ليس بذاك الألتزام الديني لكنه مؤخرا مُلتصق في الكنيسة وصلواته لم تفارق قلبه الراجِ بتاتاً!!.
لقائاتٍ مباغته تُرهق خافقه حين رؤياه من إحتوت اسطر صلواته ذكراه وشذا صيته.

كذاته الجاهلة في الحُب هو ينتفض حيائاً ودواخله مستمتعة بذلك الالم اللذيذ في صدره، هو بات يحب سماع وقع نبضاته التي تحيك ترنيماتِ عِشق صاحب هذا القلب.. الفتى المفتون فاقد الحيلة.

لقاءاتٍ عابثة و ارتطامٍ تقصده أحدهما بعدما ضاق ذرعاً من حبه المكبوت ذاك، هما حظيا بحديثهما الاول وهزيل الهيئة قفز قلبه مُقبلاً ضريح الرب بأمتنان وسعادة.

..

إبتسامته تهالكت حين سمع جواب من جثت اثر عشقه روحه أرتجفت وتمت محاصرتها بأشواك الوقائع الملتهبة.
عالمه السعيد الذي بناه برفقة من سلب قلب الفتى نبضاته تدمر حين سماعه قول الرجل الذي صرح بوقوعه معه في وحل العِشق لكن كلاهما قد كبلته قيود الأنتماء والأعراف.

" انا إبن نُبَلاءِ هذهِ الأرض وَانتَ إبن أعدائِهِم وَحُبنا عارٌ عَظيم لكلاهما والبشرية"

طويل القامة قد صرح بما أثقل كاهله الذي رفرف لوهله حين سماعه كلمات الحب من الصغير المُفتَتِنُ به، هو الآخر لم يغفل عن هالة الحب التي تحاوط الفتى الذي يتواجد حوله بكثرة، ما من سبيل لتجنب الفتى الذي يرتوي جوفه من حلاوة الكون ويجري في عروقه سُكرٌ مصدره النعيم.

" ما دخلنا بجُل هذا؟! لما نكون جزءاً من حربهم اللامنتهية؟! "
ضئيل الهيئة مُرتجف الصوت تحدث سائلاً حاد الملامح أمامه.

إن كان كلاهما يُكِن مشاعر الحب للآخر لما يتم إقحامهما في وحل ذوي السُلطة؟! لما قد يُنظر الى انتمائهما قبل مشاعرهما؟! منذ متى والاختلاف يعد إثماً؟!.

" ليس نحن من نختار هذا، لم اختر أن أكون من اعداء ارضك ولم ارغب ان تكون مِمَن يسعى جيش بلادي إبادتهم ولا أن نكون مِمَن يُعد حبهم إثماً"
مُريحاً ثقل رأسه الذي إمتلأ بما يجلب الضيق لكلاهما على كتف الضئيل الضيق، هو يقسم انه بالصغير الذي احتوى عَظَمةِ حجمه بتفانٍ راغِب، لكنه راغبٌ أكثر ببقائه في طورِ هذه الحياة حياً يُرزق.

قد يبدو عذاباً العيش بعيداً عن مالك قلبه لكنه نعيم لدى الآخر رؤيته يحيا بسلام بعيداً عن الألم الذي يهدد حبهما وهو يبدأ في الازدهار لتوه كزهرة قطفت قبل ان تنال حصتها من الغنج وإبراز جمال تويجاتها الملونة بعبق برونق الربيع.

هل حبهما اخطأ وازدهر في تربةٍ ملأتها ملوحةِ المعتقدات المتطرفة؟! هل كان مُقدراً لهما أن يلتقيا في حياة اخرى؟! اكثر تناسبا و تقبلاً لحبهما الذي يعد إثماً في هذه الحياة؟.

" لكنني أرغب بك اكثر من اي شيءٍ آخر!! انا انتظرت طويلاً لنكون على ما نوشك ان نكون عليه..أردتنا أحباء لا يائسين لرحمة من ترفض عقولهم وأعرافهم تقبلنا"

شاداً على عناق الأكبر هو تحدث بما سَلَف، ليالٍ طِوال قضاها في حظرة الرب مُصلياً، عن ظهر قلب هو حفظ ترانيم الدعاء و تبجيلاً للحب الذي يذرأه الرب في قلوب خلقه هو رتله بقلبٍ نبض رغبة بالأستجابة.

" سنفعل .. سأحبك سراً، نعيمنا سيبقى سراً لن اقوى على فقدانك "
محتوياً مناقضه في الجثة هو همس وقد رافقت كلماته الهائمة تنهيدات ألهبت ما ظهر من بشرة الأصغر.

..

لقاءاتٍ عديدة احتضنت صوتيهما الهامسين ببهجة لحلاوة اللقاء بعد نهارٍ طويل  وقد كانت ترانيم أجراس الكنيسة ليلاً هي ايقاع قبلاتهما الهائمة.

احدهما يأتي مبكراً لأداء صلوات الحِفظ والتوسلات لِدوام هذا السلام وقربه مِمَن يُحب، في حين الآخر يأتي مُتأخراً لصعوبة مغافلة مرافقي ذوي السلطة آنذاك.

رُقعةٌ أخفتها ظلال الشجيرات الكثيفة لا يمر بها المارة ولا يدركها سوى من أراد السلام لحبه وقلبه من طغيان التطرف وكهولة المعتقد.

مُهترئٌ هو المكان الذي احتواهما لكنه يُصَيَّر لكُلٍ منهما نعيماً في حظرةٍ الآخر.

__



'عودة الى الحاضِر'.

ذات المكان الذي احتواهما سراً فيما سبق، أحتضن انتعاش احاديهما ودفئ عناقاتهما هو اليوم يشهد وداعهما، الوداع الأخير رُبما؟! .

.لن يرضى احدهما بفراق الآخر وهذا ما تترجمه أنامل كلاهما المتشبثه في هندام الآخر.
ضخم البنية يطالبه بالأستدارة حيث الفرس الي ينتظره للذهاب لكنه مع كل حرف ينطقه يشد على كفي الفتى رافضاً تركه.

" ان لم تكُن هناك قبل بزوغ فجر الغد لن اتردد للحظة في العوده أتفهم!!"
بعدما استقر على ظهر الفرس الأصيل بني اللعر مع بقع بيضاء توضح تهّجنه هو هدد خليله الذي مسد فخذه بايمائة ولم يهتم للهاثة أثر الحروق التي تشوه يسار أوسط صدره، حرفياً يحترق.

" عندما تصل الى هناك فقط إجعلهم يرون هذه و يهتمون بك  اخبرهم إنك عامل بتوصية مني .. ابقى هناك و لا تكلم احداً حتى عودتي حسناً؟! "

هو القى بتلك الوصايا على ضئيل الحجم الذي يعتلي الفرس و قد وضع الورقة التي احتوت ما لم يهتم له بقدر إهتمامه بأرتشاف رحيق ملامح رَجُله الذي هو على شفير فقدانه.

اومئ متخبطاً وسط ذلك العناق الضيق الذي اثره تخلى عن اعتلاء فرسه و قد تم حمله من قِبل رَجُله الذي بكل ثانية تمر يضيق عناقه حول الاصغر المندفع نحوه بذات الرغبة.

" الان أذهب، إن لم آتي خلال خمس ليالٍ قم بنسياني الى الأبد حسناً!!"
بعدما اعاد صغيره الى ظهر فرسه هو تحدث بذلك بملامحٍ متجمدة .

" لا-..." .

" تصرف و كأني مُت و اللعنة!! اذا لم آت و رأيتني في مكانٍ ما اعرف انني قد تخليت عنك وأستمر بالعيش اوتفهم؟! والان اذهب الى حيث اخبرتك"

هو تحدث بتلك الكلمات بقساوة محطماً فؤاد مُنكسر الملامح امامه، لم يترك له فرصة الاعتراض فالفتى لم يشعر سوى بالفرس يتحرك راكضاً و النسيم البارد يلفح وجهه جاعلاً دموعه المحتقنة داخل جحر عينيه تبرُد ، استدار بغية رؤية من جرحه منذ ثوانٍ مضت وجُل ما قابله قرعات جرس الكنيسة ومنكبي الطويل الذي تحرك ذاهباً دون إلقاء نظرة للمنكسر خلفه، تالياً هو استدار و قد تشبث بلجام فرسه مُخرجاً لهيب غضبه في زيادة سرعة المسكين أسفله.

هو بكل ما يمكنه من قدرة حاول جعل الرياح قارصة البرود تلامس روحه المشتعلة، بيأس يندفع بين صقيع برودتها طلباً لِما يطفئ شعلة الألم التي ألهبت روحه وكأن خافقه يرسل شرارات سخونة تلك الآلام عميقا في اطرافه مع كل نبضةٍ محتقنة ينبض بها.

" عند القرعه الثانية عشرة أعده اللي ايها الرب العظيم "

رتل صلواته الأخيرة قبل ان يتلاشى صدى قرعات اجراس الكنيسة التي خيبته رافضة إثبات رضى الرب وإستجابته لترتيلته المنكسرة تلك.

لم تدركه قرعة الجرس الثانية عشر وأثر ذلك روحه جثت متضرعةً للرب معترفه بأثمها غير تائبة، هو في حظرة الرب يعترف بتلهف قلبه لذلك الحب الآثم.. رافضاً التخلي عن حبه ولو كان خطيئة هو سيستمتع بإرتكابها مراراً و تكراراً.

__



' بعد اربعةِ اعوامٍ مضت '

انامله الرفيعه تصنع النقوش على قطعة العجين التي تنساب بين كفيه خاضعه لبراعةِ لمساته.
كما العادة هو بشرود يفرد العجين على قطعة الخشب التي يوصله بها حيث النيران الملتهبة للفرن الحجري الذي يُصير عجينه خبزاً ذا صيتٌ في أنحاء تلك البلدة التي تخلو من الفرنسيين عدا مُهَجنٌ أشتهر بأرغفته وقصته الملهمة؛ فهو بدأ عاملاً بفمٍ مغلق وفؤادٍ محطم وها هو ذا يملك متجره الذي تملئه أنواع الخبز الذي جمع لمسات البلدين وعبق نكهاتها.

"بيكهيون أتذهب الى الكنيسة؟!"
ظهر رفيقه وشريك عمله من خلف الباب الخشبي الذي يفصل موقد الخَبز عن الردهة التي تعرض فيها قطع الخبز والحلوى مما لَّذَ وطاب للزبائن.

المقصود أنتفض لصوت رفيقه الصاخب الذي أزعج خلوته، الشرود رفيقه والصلوات خليلته .. يجدد عهده في مزاولة إرتكاب خطأه الذي عوقب عليه بأربعةِ اعوامٍ من المشقه ويطلب غفران الرب لكونه يكمل إقترافه كما تعهدت ذاتها امام ذاتها.

" إذهب انت، سأتبعك فور انتهائي من خبزِ هذه الأرغفة "
تحدث بينما يخرج ارغفة متوسطة النضج واضعاً على سطحها شبه المحمر مطيباتٍ ومُكسرات تمَيَّز بها مخبزه.

" حسناً إذاً أيها الخباز الدؤوب "
تحدث رفيقه ايطالي المعالم مُخضّرة هي حدقتاه اصهب الهيئة .

عاد لشروده فور عودة السكينة التي يتخللها صوت لهيب نيران الموقد، بشرته احمرت أثر الحرارة المنتشرة في تلك البقعه.. هو اعتادها على اية حال فما خفي داخل جوف صدره من لهيبٌ كان أعظمٌ وأشد.

لم يتخطاه وهو عالمٌ بذلك.. إنتظر تلك الخمسة ليالٍ في منزل ذلك الأصهب الذي إتضح انه صديقٌ لخليله الذي لم يعُد وقد اوصى رفيقه بمنع الفتى عن العودة حتى لو تطلب الأمر تقييده ومنعه قسراً.

هو أنهى قرابة اسبوعين يحاول الهرب للمدينة التي تُرك بها رجله الذي ليس عالمٌ بماهيةِ أخباره لهذه اللحظة.

ومض بعيناه مبعداً تلك الذكرى التي لا تفارقه ابداّ.. وداعهما الأخير الذي كسره ولم يحظى بغراء اللقاء الذي سيعيد لملمةٍ اجزائه مصلحاً إياها.

آخر قطعة رغيف هو أراحها على تلك المنضدة بجانب مثيلاتها مغطياً أياها بقماشٍ شبه رخيم كي لا تتيبس تالفة.
نفض يداه وقد خرج متخلصاً من الطحين الذي يلوث هندامه بعدما تمرد خارجاً عن طور حماية المريلة لثيابه.

..

" تأخرت يا رجُل!! "
إستطرد ماثيو مُتذمرا من تأخر صديقه بهمس.

"آسف"
هامساً تحدث بيكهيون نحو رفيقه لتبدأ مراسم الصلاة وكل ما يُسمَع تراتيل تمجيد الرب وقرع اجراس الكنيسة عند الختام.

" بيكهيون هنالك شخصٌ ما ينتظرك خلف الكنيسة "
ماثيو تحدث فورما خطى خارج الكنيسة برفقة الفتى الذي معدته تحتوي قلبه لسبب يتظاهر بجهله ما هيتة.

" مَن؟ "
هو همس بهدوء لم يستطيع تظليل اللهفة التي غلفته وإحتوت دواخله.

" شخصٌ كدت تقتلني لتذهب له في الأيام الخوالي بيكهيون "
تحدث ماثيو قاصداً محاولات الفتى في العودة لحيث ترك خليله.. حيث تحطم حبهما الآثم منذ اربعةِ سنواتٍ مضت.

" لا تتحدث .. انت انتظرت طويلاً وهو غاب لسبب بيكهيون لا تُزِد وضعكما سوءاً.. الان اذهب لمقابلته له لا اريد أن تضيع صلواتي قبل قليل هباءاً  "

مُقاطعاً بيكهيون قبل ان يتحدث ماثيو قال تلك الكلمات ويديه شدتا على كتفيّ بيكهيون المنحدران وداخله تسائل ؛ كيف يمكن لتعابير البشر أن تظهر اللامبالاة والتلهف في آنٍ واحد؟.

أنهى كلماته تلك بإيمائة تلتها دفعة بسيطة لبيكهيون الذي شق طريقه لما خلف الكنيسة بهدوء يضمر بين طياته جُل صخب العالم.

قدميه تثقلان مع كل خطوة يخطوها مُقترباً، برؤية الآخر هو راغب ومعاتبته لطالما تمنى .. لكنه الآن فقط يشعر بالعجز وقد إكتنزت روحه بذلك الألم.. تم ابتلاعه لدرجة اللاشعور.

روحه ارتكبت الآثام بإستمرارها بهذا ،قلبه لا ينبض بالشكل الذي كان ينبض به سابقاً؟!.

هل قلبه توقف عن النبض أصلا ام انه لا يستطيع تمييز نوع نبضاته المُحبة عن تلك الخائبة التي لازمته طوال المدة السالفة؟.

كيان وظل طويل.. هيئة عريضة المنكبين صلبة الجسد أدركت عيناه وهو لتوه تذكر كيف كان ينبض قلبه الهائم سابقاً..تماماً كما يفعل الآن.

تقابلا اخيراً ويبدو إن كلاهما تشبعت ملامحهما ببرود الفراق الذي خيم اعلاهما تلك المدة .
هل هما لا يستشعران دفئ اللقاء أم احترقا بلهيبه لدرجة اللاتعبير؟! فلا تعابير تظهر تمردهما وآثارها على سطوح ملمحهمت ولا كلمات تكسر صمتهما.

" أرى إنك بخير، اوه سيهون "
كما دائماً بيكهيون هو من بادر بالحديث، ليس بعالمٍ لما هو قد إفتتح حديثه بهذا القول الساخر لكن ثبات الآخر أشعره بأنهما منتهيان منذ زمن طويل وهو الوحيد الذي كان يتألم بسذاجة.

" هذا ما أراه بك ايضاً ، بيون بيكهيون "
إستشعرت روحه الألم لهذا القول البارد، هو يفهم الفتى امامه ..عالمٌ تماماً بقدر الألم الذي تحول لسخريته تلك، لكنه تألم بالمثل هو الآخر!! دوماً يُظلم واحدٌ من أثنين وفي هذه الحكاية هو من ظُلِم، تُرِك ليجابه نظرات الأنتقاص تلك ط.. ليسمع الكلمات الجارحة التي تلقى نحوه بلا حياء.. تُرِك ليتحَمَل ذم الرجل النبيل المسمى بوالده فهو ذا صيتٌ يخشى ان يعرض كحلوى مجانية لألسنة العامة.

تُرِك ليجابه الألم بشتى أنواعه ومختلف أصنافه بتفانٍ، ألم الفراق فألم الخيبة فألم الأنتقاص واخيراً ألمٌ أعظم لعلمه بتحركات فتاه الحزين المُتألم بينما هو بعيدٌ عنه.

" ما رأيك أنت؟ على أي حال كيف كُنت؟ "
سخر القصير بداية قوله وقهقهة رافقها شهيق عميق عله يخمد الأشتعال داخله ولكن كما العادة تزداد النيران بوجود الأوكسجين الذي تطوع خانقاً إياه لتخرج بقية كلماته محتقنة متسائلة عن حال الآخر.. لن يكذب بكونه يموت فضولاً لمعرفة احواله و يتمنى سراً انه حظى بألمٍ أقل من خاصته!!.

" صدقاً لست أعلم بما يسُر مسامعك عن حالي ، كيف كُنت أنت؟! "
يخشى أن يتفوه بالحقيقة ليزيد انكسار فتاه إن كان مازال ينعته برَجُله كما اعتاد أو ان يتخذ الكذب ملجأً ليخبره بأنه الوحيد الذي يعاني هنا ليكسب كرهه العظيم وهو ما لا يقوى على احتماله.. ليس بعد كميات الكره العظيمة التي ضيقت الخناق حول روحه وما يحتويه يسار اوسط صدره طوال السنوات الماضية.

" بخير؟! ربما بما إني تعايشت مع الأمر "
صدقاً هو تسائل عن حاله، هل أتقن تمثيل انه على خير ما يرام لدرجة انه أضاع ذاته التي ليس بعالمٍ ان كانت بخيرٍ ام مُتألمة؟! .

" هذا جيد ، هَل لي بِعناق؟! "
جزء منه تظاهر بالطمئنينة بكون الآخر بخير لكن داخله لم يفعل.. كيف وهو عالمٍ بكُل مرة تومض بها جفني الفتى؟!.
هو تالياً طالب بما تاق له، هو يجزم ان عناقاً صغير من الصبي واستشعار هيئته الضائعة بين منكبيه سينتشله من جُل العالم المليء بالكراهية لحيث النعيم، نعيمهم الخاص الذي يدعى الجحيم لبعض الذين جُل همومهم تحديد اذا ما كان فعلك آثماً أم لا.

هو بحاجه لأن يُعامل كشخصٍ محبوب؛ فلقد فاض إنائه من الكراهية التي غلفت عالمه طوال الوقت الذي مضى، أوهل الرب غاضبٌ لدرجة لعنه بهذا الحُب؟!.

من  شتموه ورفضوه بأسم الدين  اوليسوا ذاتهم من يؤمنون بأن كل ما يصيب البشر هو بفعل الرب؟! لما قد يبتلي الرب الرحيم عباده بما يعتبره اشد عذاباً؟!.

بلا حديث يذكر الضئيل تقدم واضعاً هيئته بين ذراعي المطالب بعناق، هو راغبٌ بذلك الدفئ الذي لم يكتفِ منه سابقاً ولن يفعل، هو ادعى الكبرياء ولكن الاخير خانه بكونه خاضعاً راغباً بالآخر. ما من سبيل يمنعه من تملك خليله، هم في مكان لا احد يعرفهما به لما فقط لا يكونا معاً؟!.

الاقصر لم يتوقع انه سهل كما السابق لكنه الأن يائساً لقُرب الرجل شاداً بذراعيه حوله بشدة، بقوة تعادل قوة حزنه وافتقاده الآخر في احداث يومه الكئيب، قوة اراد بها توضيح كم عانى ليكتسبها!!.

وطويل القامة هو ايضاً اراد اظهار القوة التي امتلكها في غياب خليله متباهياً بها، كلاهما احب تلك القوة التي تخنق الآخر فما من سبيل لقتل الشوق والبُعد سوى حرارة الالتصاق والأندماج!! .

همساتٌ تصف مرارة الفراق هما تبادلاها وسط ذلك العناق الضيق ولم يبدُ إن احدهما ينوي الابتعاد.

اجراس الكنيسة قرعت وبيكهيون كذاته الساذجة قال بعدما ابتعد مقابلاً الطويل وحدقتيهما تحتضنان بعضها.

" عند القرعه الثانية عشر سأسمح لك بأحتوائي مُجدداً بمباركة من الرب "

عيناه اللامعتين رفضتا الوميض رغبةً في حفظ ملامح الرجل امامه الذي إشتاق لحلاوة اضطراب دواخله اثر حُسن ملامحه وطلَّته.

قرعات قبله تزامن  قرعات جرس الكنيسة الضخم خلفه، دواخله ترتجف رهبة من عدم مباركة الرب حبه الآثم ذاك فالأجراس منذ تلك اللحظة التي رُفِض بها طلبه مباركة الرب لم تقرع بما يسُر مسامعه.

القرعه الحادية عَشر.

آخر ما تسرب لأذنيه اللتين أصابهما الصمم  لشدة وقع الصمت دون قرعة ثانية عشر.
هو على وشك تحطيم سد جفناه اللتان احتقنتا دموعه الزُمردية، غزس أنيابه معنفاً سفليته ويداه تشبثتا بالرجل متلبد الخاطر امامه.

هل هذه النهاية!!.

صوت جرسٍ صغير يقرع خلف بيكهيون الذي استدار بتفاجؤ مُحدقاً بالأصهب اللاهث خلفه وهو يحرك يداه رغبةً بأصدار صوت قرعاتٍ اعلى من الجرس بين يداه .

" كذاتك الغبية بيكهيون تعد القرعات متأخراً، ها هي قرعتك الثانية عَشر ابقى معه فاليلعنَّا الرب معاً "

مُتذمراً هو قال ما سلف ليقهقه في نهاية حديثه مصدراً العديد من قرعات الجرس التي دَوَت في المكام الفارغ من كل شيءٍ عداهم.

إستدار ومحياه تشقه الابتسامة، هو تشبث اكثر بهندام الرجل المبتسم بالمثل أمامه.

" لَو كانَ حُبنا يُعَدُ إفساداً لأرض الرَبِ وَمَعصية، فَالنرتَكِبها وَنُقدِمُ قُربان الغُفرانِ لاحِقاً؛ فالرّب لَطِيفٌ كِفايةْ لِيَغفِّر خَّطايانا البَريئة "

القصير قال ليوافقه ماثيو الذي صرخ بهما  ' اجل واللعنة قبلا بعضكما اكاد اموت شوقا لرؤيتكما معاً!!'

هذه هي النهاية!!.

=

"انا من ادخلنا الجحيم بلا رغبة ، لم اعلم ان حظرتك هي نعيمي المُنتظر!!"


تمَت.


《فوت وكومنت ولا تكونوا مثل اصنام واتباد رجاءً،  قلبي صار لحم مفروم بسببهم :) 💔》

© آيري ,
книга «مباركة آفروديت - سيبيك.».
Коментарі
Упорядкувати
  • За популярністю
  • Спочатку нові
  • По порядку
Показати всі коментарі (2)
fai
امتلاك ثم فقدان فعودة.
رائع
Відповісти
2018-08-31 20:37:06
2
HunFucksBaek
امتلاك ثم فقدان فعودة.
لو أشوفه أكثر مِن مره... وبِكل مره يصير في سرب مِن الفراشات بِداخل بطني ☹️♥️♥️
Відповісти
2018-09-13 02:29:41
Подобається