مقدمة
الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الأول
أتذكر جيدًا كل تفصيلةٍ صغيرة في حياة كلينا، وكيف انتهينا إلى هذا الحد الذي نحن فيه، أؤمن أن البداية لكل شيء هي نقطة نهاية، كما أن النهاية هي بذاتها مقدمة لبداية؛ فتبتسم شفتاي كلما تذكرت وجهكِ الوضّاء، وثغرك الباسم، جذبتني عينيكِ ورموشكِ الفاتنة؛ فتأسفت لكونكِ تملكين جمالاً كهذا يخالف أفعالكِ التي أشعلت شقاقًا بيننا، ومقتُّ اندفاعكِ ودلالكِ، فما زلت أعيش تلك الليالي وقد انصرفتِ عني إلى الأبد.

ما عدت أتحمل ذكراها فقد ضقتُ بها ذرعًا، ولن أنسى تلك الليلة المظلمة وأنتِ الفتاة المدللة ذات السبعة عشر خريفًا، داومتِ طيلة الوقت أمام تلك الشاشة التي لم تجلب لي ولكِ سوى الشقاء، ولم تكتفِ بذلك وكأنكِ في عنادٍ معي؛ فأكملتِ المتبقي من وقتكِ أمام رواياتك البلهاء، حتى صرتِ تتخيلين نفسكِ بطلةً لكل الروايات، بل وكثيرًا ما تبحثين عن حبيبك المجهول الكامن بخبايا عقلكِ، فتضعين حوله العديد من القصص الحالمة، وإن لم تدرِ عن هذا الحبيب المزعوم شيئًا، سوى أنه نتاجٌ لغيبوبتك المستمرة.

خُيّل إليكِ أنكِ تبحثين عن حقيقة، والصحيحُ أنكِ في بحر وهمكِ تسبحين، ألم تعلمي أن القدر قد ساق إليكِ شرًا ووضعكِ في حيرةٍ من أمركِ لا تحسدين عليها، وقد علمتُ عنكِ من قبل بغضك لتلك المواقع المهلكة لما خلقنا له من الغاياتِ النبيلة، فرسائلها متلاحقة تهبط بسرعةٍ كشلالات مندفعة إلى مصبِها لنهرٍ خبيث.

كان موقعًا كئيبًا إلى غير حد ولكن كيف تهربين منه وقد أغلق إبليس كل منافذه عليكِ، وقد دخلتِ باسمٍ مستعار وألقيتِ التحية فتلقفها كل عابثٍ منتظرٌ لكل لاهية، أتركضين بنفسكِ إلى أعنة المعاصي وميادين الغي، أم تخلىٰ عنكِ العقل!

تبًا لها سلمى وقد فتحت لكِ بابًا من الشر، وسعيتِ إلى توطيد علاقتكِ بها وما هما إلا يومان وتركتك، أليست هذه الفتاة المتهمة بأنها اللعوب! سحقًا يا نور كلما وصلتُ بتفكيري إلى تلك النقطة تصيبني غصة تكاد تمزق أحشائي، بداية صراعنا في الحياة يبدأ من تلك اللحظة؛ لحظة انزلاقك، ألم يكن لكِ عقل ليفرق بين الغث والسمين، أم ظننتِ أنكِ بمنأى عن ألسن الناس!

ولّت سلمى وقد فعلت خيرًا لم تقصده، وظللتِ أنتِ وياليتكِ فررتِ لنجوتِ بنفسكِ من تلك الهاوية، وما إن خرجتِ من براثن سلمى حتى وقعتِ في فك جهاد!

وراسلتكِ على الخاص فلهثتِ دون أدنى تفكير منكِ بالتحقق عمن تكون هي، فكانت هذه بداية اختلافنا وأول فصل من فصول قصتنا.

ابتدرتكِ بالسلامِ فاستجبت،ِ وما لبثت أن سألتِها مَن تكون فأجابتكِ بتفاصيلٍ لم تكن تشكل لكِ أدنى أهمية، ولكن سرعان ما أخذتْ مع الوقت كل اهتمامك وشغفك في التطلع إلى المزيد من معرفة قصصها التي شكلت لكِ كل ليلةٍ رواية وكأنكِ تقرأين في قصة أغنتكِ عن روايات الخيال؛ فطرتِ فرحًا ولمَ لا وقد أحيتكِ في قصةٍ من قصص الواقع، إلى أن أطلّ ذلك اليوم بتلك المفاجأة التي نزلت عليكِ كالصاعقة واحترتِ في أمركِ.. يا الله، ما الذي تفعلينه يا نور!

صارخةً في وجدانكِ: " أحقًا هذا رجلٌ؟ "

وهممتِ بالانصراف فناشدك بالله ألا تنصرفي قائلاً:

" قد أكون أخطئت، ونظرتُ إليكِ كأي فتاةٍ عابثة، سرعان ما تنتهي قصتها كمثيلاتها، ولن تصدقيني أنني بالفعل قد أحببتكِ وتحولت نظرتي إليكِ إلى نظرةِ إعجاب، فها أنتِ الفتاة التي أبحث عنها منذ سنواتٍ هنا وهناك، وأستدرج الفتيات حتى أجد ضالتي، وها أنا ذا أمامكِ أبوح لكِ وأناشدكِ ألا ترحلي..

اسمعي لي وافتحي صفحةً بيضاء لأروي لكِ عن نفسي، اسمي جهاد وعمري خمسة وعشرون عامًا ولي ثلاثةُ إخوة ولا أخت لي، من أسرةٍ ملتزمة ولا تتعجبي من ذلك، ولا تتعجلي في حكمك، وأيًا ما كان قراركِ حينئذٍ فلن ألومك ولن أطاردكِ، ويكفيني ألم الفراق وحسرة الندم على فقدي لكِ بعد بحثي عنكِ، وقد ظننتُ أن ما أبحث عنه هو نسجٌ من الخيال "

قد نجوتِ يا نور، قد نجوتِ، ولكن لم تمهلك الأقدار إذ بادركِ قائلاً:

"أعلم أنكِ لن تصدقيني وإن كان لي رجاء أخير من الله؛ فهو أن تكوني رفيقتي في الجنة"

© Radwa Ali,
книга «مرآتي السوداء».
الجزء الثاني
Комментарии