مقدمة
الجزء الأول
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الثاني
كادت السماء تحتضن الأرض من صاعقة ذلك الموقف، لم تدرك سر الشعور الغامض داخلها، كأن أحدًا ما يدق بعنفٍ على أضلعها من الداخل، كثلة من الأسرى يضربون الأبواب طلبًا للنجاة من قيد الأسر، تهاوت على فراشها في صراعٍ بين استسلامها لمشاعرها الجديدة ورفضها لكونه جعلها دُميةً يحركها كيفما شاء؛ فصارت كالهائمة يصرخ عقلُها بقلبها، فتلاحقت عبراتها من وهنٍ إلى وهن حتى فقدت لجام المقاومة!

أما أنا فيربطني بنور وثاقٌ قوي بالرغم من تنافر كل منّا، وددت لو أمحوها من حياتي في طي النسيان، يراودني إحساسٌ بأن كل ما تفعله يتعلق بي بسبيلٍ أو بآخر..

تمر بي صور ذاك اليوم؛ لتكشف عن فتاةٍ حالمة أغراها الارتباط بلا أدنى تفكر في كيفيته؛ فمنذ متى أصبحت العلاقة بين رجلٍ وامرأة بدون رباط شرعي مباح!

قد تغيرت المسميات فأصبحت العفة تخلفًا وأصبح الشرف موضةً قديمة حتى صارت العلاقة المشبوهة صداقة على مرأى ومسمعٍ من أفراد الأسرة، ولإحقاق الحق فإن القلة فقط ما زالوا قابضين على دينهم؛ فطوبى لهم!

كان اليوم فارغًا إلى أبعد حد؛ فابتعدت بعقلها عن التفكير بليلة البارحة، تأملت أخاها الصغير (عليًا) وهو يركض، وبقدر اتساع البيت له ضاق عليها، ظل يتمتم بأحرفٍ اجتمعت في حلقه لا معنى لها، كعادة الأطفال يضاحكون أنفسهم ويلاعبون الهواء؛ فتصير العصا حصانًا والقلم سيفًا يجوب به أرجاء مملكته فوق السرير، كم تحب رؤية هذا الصغير وهو يلعب؛ لينسيها بلادة أيام عمرها، اقتربت منه بهدوءٍ حتى لا يفطن إليها وأمسكت بكرةٍ صغيرةٍ ألقتها عليه قائلة:

" سلم نفسك إلىّ؛ فالقنبلة ستنفجر في أيةِ لحظة! "

ركض إليها في سرعة البرق؛ ليقفز في حضنها خوفًا من انفجار قنبلةٍ من المطاط؛ فانفجرت في الضحك وضمته إليها ضمةُ حبٍ لم تدم إلا لحظات؛ لابتعاده فجأة ممسكًا سلاحه القلمي ليوجهه إليها مُصدرًا بفاههِ أصوات الرصاص، انزعجت لهزيمتها فأسقطت قلمه وأحاطت بخصره رافعةً إياه من الأرض؛ فظل يتفوه بصراخٍ مختلط بالضحك أوقفه صوت والدتها المؤنبة لهما قائلة:

" كفوا عن اللعب هيا واستعدوا لتناول الطعام"

لوى الاثنان شفتيهما بتذمر وذهبا لغرفة الطعام معًا، فعلى كلٍ قد تساوى كلاهما في العقل القاصر والقلب الساذج.

انتبهت لصوت والدها مستفسرًا:

" لماذا أنتِ شاردة يا صغيرتي! ولماذا أراكِ لا تأكلين! أم أن طعام والدتك سيئٌ إلى هذا الحد؟ "

نظر لزوجته التي جعلها تستشيط غضبًا كعادته بمشاكلتها؛ انفجرت مهددةً إياه قائلة:

" ولماذا لا يعجبها ما طهته أمها يا أبا على، قل خيرًا أو اجلب لنفسك طعامًا غيره"؛ فانفجر الجالسون ضحكًا على ردة فعلها ثم استأنفوا الأكل حتى فرغوا منه، وانفض مجلس الطعام وذهب الجميع لغرفتهم.

أما نور فجلست على مكتبها الصغير، دققت في كتابٍ دراسي لبرهة؛ فما انتهت الساعة إلا وأغفت فوقه؛ فلم تفق إلا بعد فترة، أمسكت بهاتفها لتتصفحه، أجابت صديقاتها القليلات اللاتي أرسلن إليها، ثم تجولت قليلاً بالصور ومنها إلى بعض صفحات التواصل حتى انتهى بها الأمر إلى الموقع المشئوم!

تصفحته قليلاً فلم تجد مَن تبحث عنه، تضاعف شعورها بالذنب كونها انتهت إلى هنا؛ فقد قررت ألا تقدمَ مجددًا؛ فلمَ إذًا تجد صعوبةً بالغة بالأمر رغم اعتيادها الموقع، ظلت مشتتةَ التركيز سارحةً في هاتفها حتى أنها لم تنتبه لرسالةٍ أتتها من قِبَل (جهاد) انتفضت حال رؤيتها، للحقيقة هي لم تعد تدرِ ما يعني لها هذا الاسم، أهو رجلٌ استغل سذاجتها، أم حبيب تألم لهجرها!

ضغطت بضع نقرات مضطربة وكأن أصابعها ريشة رشيقة تترنح بدلالٍ بفعل الرياح؛ لتهبط على الأرض بكل هدوءٍ فتجعل زر الرد مرسىٰ لها، وجدته مُلقيًا إياها السلام، ألم يقل أنهم سيلتقون في الجنة أم قد تركت الجنةُ سماء الله ونزلت لأرضه!

سواءً كان صادقًا أو لا؛ فلم تنكر أو تخفِ فرحتها الغامرة، ولم تنكر أنها كانت في انتظاره؛ فقد عاود التواصل معها، شاورت نفسها ثم كتبت إليه قائلة:

" ماذا تريد؟ ألم تعاهدني بأنك لن تحاول التواصل معي مجددًا "

أجابها بهدوء لعلمه بمغزى حديثها؛ فقد دخل عليها بالخديعة ويعلم في نفسه أن محاولته هذه ستبوء بالفشل حتمًا ولكنه من ذلك الطراز الذي لا يسلم الراية بسهولة بما يمتاز به من دهاءٍ حاد وأسلوبٍ مؤثر في النفس، فقال:

" قد كنتُ وعدتكِ ألا أعود؛ فغلبتني نفسي وهأنذا أستعطفكِ فارحميني، دعيني أتحدث ولن أطمع في أن تجيبيني وهذا غاية ما أرجوه.. "

لم يزدها قوله إلا اشتعالاً؛ فأرادت أن تقطع حوارهما قائلة:

" ومن قال إني سأفعل؟ علمتَ أني لا أحادث الشباب واستمررتَ بمجاراتي بصورة الفتاة، فقل لي بالله كيف تريد مني أن أفعل بعد أن خدعتني! "

انتظرت قليلاً قبل أن تجد إجابته: " أعلم أنكِ لن تستطيعي تركي هكذا؛ ثم إنني لم ولن أخدعكِ يا نور؛ فليس ذنبي أنكِ ظننتِ اسمي حكرٌ على الفتيات".

لم تجد غضاضةً من سؤاله عن كل القصص التي أطنب في تصويرها لها؛ فبدأت في الحديث:

" لم أعد أصدق شيئًا مما تقول، أخبرتني أنك فتاة ثم ما لبثت أن صرت فتى، وأخبرتني قصصًا أحسبها وهميةً عن أخيك وعائلتك حتى أشعرتني بالدونية، وجعلتني أهتف فرحًا كلما حادثتني عن أخيك كما لو كان من صحابة رسول الله؛ فأعجبني حُسن خلقه وتقاه، ولم أفكر لوهلة بأنكَ رجل، ثم صدمتني وأخبرتني أن الشخص الذي أنا معجبةٌ به أنت أخٌ له، أتدري ما المتاهة التي وضعتني بها كفأر تجاربٍ لا قلب له؛ فقل لي بربك كيف أصدقك؟"

كتب إليها مجيبًا لدمعها المنهمر قائلاً:

" لن تصدقي أنني لم أتعمد الكذب عليكِ إلا في شيءٍ واحد وهو أن الذي يدعو للإسلام في شتى البلاد هو أنا، والذي يرى الرسول في المنام ويطعم المساكين ويذكر الله حتى تتورم شفتاه أنا أيضًا، أخبرتكِ عنه في شخصٍ آخر؛ فأنا من أحببتِ! "

ثم لم يمهلها الرد وانصرف قائلاً:

"سأذهب للنوم الآن، نكمل حديثنا غدًا يا نور"

ومضى دون أن يترك لها فرصة للتفكير؛ فانهزمت في أول معركةٍ لها دون أن ترفع سيفًا واحدًا..

© Radwa Ali,
книга «مرآتي السوداء».
الجزء الثالث
Комментарии